الجزائر

القمة والقاعدة

ما يميّز القمة العربية التي ستحتفي بها الجامعة العربية على أرض الجزائر، هي خروجها من الدائرة السياسية البحتة، التي عُرفت بها منذ تأسيسها، فكانت عبارة عن خطابات وكلام إنشاء وطرح أفكار سياسية متباينة، حتى إن البعض صار ينصح بعدم الالتقاء، لأن كل “قمة” كانت تزيد من الشرخ، وكلنا نعلم بأن الاتحاد الأوروبي مثلا، لم تكن السياسة تمثل بالنسبة إليه، سوى غطاء، فبقيت أوروبا متوحدة رغم أننا جميعا نعلم بأنها مختلفة وبين حكوماتها خلافات أخطر من الخلافات الموجودة بين الحكومات العربية، ونكاد نجزم بأن لا دولة أوروبية متفقة مع أخرى في شأن الحرب الروسية الأوكرانية وكيفية التعامل معها أمنيا وخاصة اقتصاديا، وهي بلدان لا تتحد على لغة ولا مذهب ديني ولا تتشابه في تقاليدها، ولكنها تتحد في البحث عن الثروة وعن رفاهية شعوبها.

الورشات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المفتوحة ولقاءات الوزراء، وتوجيه الرأي العام إلى بعض النقاط المهمَّة مثل الأمن الغذائي والتغيُّر المناخي، جعل القمة تلاقي القاعدة، وكمثال على ذلك هو المتابعة اليومية للجزائريين للحدث العربي، إيمانا منهم بأن العرب يمتلكون كل المقومات لأجل أن تحوّل تكتلها إلى قوة عالمية، لا تقلّ عن قيمة أكبر التكتلات في العالم.

بعض المحللين من أصحاب النظرة المتشائمة أو السوداوية أو من الذين يستكثرون النجاح على الجزائر، حاولوا ربط غياب بعض القادة عن الحضور لعدة أسباب، بما سموه بـ”فشل القمة قبل انطلاقها”، وهو دليلٌ على أنهم يريدون أن تبقى الجامعة العربية، مجرد حكام من دون شعوب، ولا يريدون لهذا الوطن العربي المترامي على أرض ممتدة من المحيط إلى الخليج، أن يستقل بزراعته وبصناعته وبعلومه وبثقافته، ويطمح بعد ذلك إلى فرض رأيه كما تفعل الشعوب الصينية والهندية وحتى التركية في السنوات الأخيرة، وذلك ليس بعزيز على أمة وهبها اللهُ أهمَّ الثروات المتحكمة في الاقتصاد العالمي.

لقد قارب سنُّ الجامعة العربية الثمانين سنة، والذين أسسوا هذا الصرح كان أملهم أن يلمّ هذا البيت العائلة الواحدة التي حقّقت -رغم نسيان الناس- الكثير من الانتصارات، بدءا باستقلال بلدانها وتلاحمهم في كل الحروب العربية الكلاسيكية مع عدوهم الأول الكيان الصهيوني، كما اشتركوا في المحن من نكبة 1948 إلى نكبة حرب الستة أيام في سنة 1967، ولم تجد فلسطين يوما نفسها لوحدها، كما لم تجد الجزائر قبلها، ولن تجد سوريا ولبنان وغيرهما بعدها أنفسهم لوحدهم، وإخراج مثل هذه القمم من كلاسيكيات العقود السابقة التي جعلت البعض يحكم على فشلها قبل انعقادها، ويصفها بالمُضَيّعة للوقت وللمال وخاصة للمعنويات، هو في حدّ ذاته نجاح.

إيمان الجزائر، بأن نجاح القمة في طرح أفكار جديدة والاجتهاد لأجل لمّ الشمل، والالتفات إلى الشعوب، هو نجاح لكل الأمة العربية، وهو الذي جعل الجزائريين يتابعون الحدث العربي وكأنهم طرفٌ فيه.. بل إنهم طرفٌ فيه.

مقالات ذات صلة