الرأي

القناعة كنز لا يفنى

سلطان بركاني
  • 520
  • 0

القناعة هي أثمن كنز يمكن أن يحوزه الإنسان في هذه الدنيا، عندما يجعل سقفا وحَدًّا لآماله الدنيوية وطموحاته الأرضية، ويكبح جماح نفسه عن اللهث وراء المتاع الفاني، لأنّه يعلم أنّ النفس الإنسانية من طبعها أنها لا تشبع، كما قال نبيّ الهدى -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب “.

إنّنا في أمسّ الحاجة لأن نقرع نفوسنا بهذه الحقيقة من حين لآخر، خاصّة ونحن نعيش أيام الشّهر الفضيل، التي يتخلّى فيها كثير من المسلمين عن القناعة التي يُعدّ التحلّي بها أحدّ أهمّ مقاصد الصيام؛ يتخلّى كثير من الصّائمين عن القناعة في رمضان، فلا ينقطع تردّدهم على مراكز البريد لسحب كلّ ما دخل حساباتهم من رواتب ومنح ومدخرات، ولا ينقطع طوافهم بالأسواق بالليل والنّهار، ولا تكلّ أيديهم وسواعدهم عن حمل أصناف وألوان من الأطعمة، من الضّروريات والكماليات، تزيد على حاجات أسرهم، ويكون مصير القدر الأكبر منها إلى القمامة!

جاء في حِكم وقصص الصين القديمة أنّ ملكا أراد أن يكافئ أحد مواطنيه، فقال له: امتلك من الأرض كلّ المساحات التي تستطيع أن تقطعها سيرا على قدميك. فرح الرجل وشرع يجوب الأرض مسرعا ومهرولا في جنون. سار مسافة طويلة فتعب وفكّر في أن يعود للملك ليمنحه المساحة التي قطعها، ولكنه غيّر رأيه وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد من الأراضي. سار مسافات أطول وأطول وفكّر في أن يعود إلى الملك مكتفيا بما وصل إليه، لكنّه تردّد مرة أخرى وقرر مواصلة السير ليحصل على المزيد والمزيد. ظلّ الرجل يسير ويسير ولم يعد أبداً .فقد ضلّ طريقه وضاع في الحياة. ويقال إنه وقع صريعا جراءَ الإنهاك الشديد. لم يمتلك شيئا ولم يشعر بالاكتفاء والسعادة لأنه لم يعرف حد الكفاية والقناعة.

ويروى أن صديقين خرجا إلى البحر لاصطياد السمك، اصطاد أحدهما سمكة كبيرة ووضعها في حقيبته ونهض لينصرف، فسأله الآخر: إلى أين تذهب؟ فأجابه الصديق: إلى البيت، لقد اصطدت سمكة كبيرة تكفيني وأسرتي، فرد الرجل: انتظر لتصطاد المزيد من الأسماك الكبيرة مثلي. سأله صديقه: ولماذا أفعل ذلك؟ قال: عندما تصطاد أكثر من سمكة يمكنك أن تبيعها. فسأله صديقه: ولماذا أفعل هذا؟ قال: كي تحصل على المزيد من المال. قال: ولماذا أفعل ذلك؟ قال: يمكنك أن تدخره وتزيد من رصيدك. قال: ثمّ ماذا؟ قال: تصبح ثريا. سأله الصديق: وماذا أفعل بالثراء؟ قال: تستطيع في يوم من الأيام عندما تكبر أن تستمتع بوقتك مع أولادك وزوجتك. قال الصديق العاقل: هذا بالضبط ما أفعله الآن ولا أريد تأجيله حتى أكبر ويضيع العمر.

التمتّع بالطيّبات في حدود المعقول أمر مباح، بل مطلوب، لمن كان ذلك في وسعه، والسّعي لجمع المال من طرق الحلال أمر مطلوب شرعا، لكنْ ليس إلى الحدّ الذي يتحوّل معه المال إلى غاية، تجعل الإنسان يهتمّ ويغتمّ بجمعه وينفق كلّ وقته في إحصائه، ولا يتمتّع منه بقليل أو كثير، بل ربّما يضيّع لأجله دينه؛ يضيّع الصّلوات، ويمسك عن الصدقات، وينسى الحجّ والزّكاة، ويهمل أسرته؛ فلا يكاد يجتمع مع زوجته وأبنائه إلا نادرا، كل هذا بحثا عن سعادة يمكن أن يجدها لو تحلّى بالقناعة ونهى النّفس عن شرهها وجشعها.

مقالات ذات صلة