الرأي

القول النفيس.. في التمثال التعيس

ح. م

اعترتني هزة شديدة، هي قشعريرة ما أصبت به من صدمة، نتيجة متابعتي للمسلسل التعيس، الذي نصبوه للإمام عبد الحميد بن باديس.

وما كنت أتصور، أن يحدث في مدينة عبد الحميد بن باديس، الإصلاحية قسنطينة، وبعد عقود من الزمن انقضت على استقلال الجزائر أن يجرؤ، بعض السفهاء، أو السكارى، أو الشواذ من المراهقين على قلتهم، أن يجرؤوا على المساس برمز الجزائر، فليحقوا بتمثاله ما ألحقوه به، وإن لكل بلد سفهاؤه، وشواذه، ولكن لن يجرؤ هؤلاء على تهورهم، أن يقدموا على تمثال نابليون، أو موسوليني أو دوغول، فيشوهو سحنته، أو يضعفوا شحنته.

وما كنت أظن  _وإن بعض الظن إثمأن يقدم بعض المسؤولين، عن قسنطينة، عاصمة الثقافة العربية، على نصب تمثال، هو من القبح، والتقزم، والرداءة، فيشوهوا بذلك إمام الأمة، وقامة نهضتها وعزتها.

إن الفضيحة التي أحاطت بالتمثال الخسيس الذي ألحقوه بابن باديس، ليعكس مدى ضحالة عملية التسييس، التي شملت تمثال الرئيس، والتدنيس الذي لوث عقول القائمين على هذا التلبيس.

فشرذمة المراهقين، الذين تجرؤوا على إهانة ابن باديس، هم ضحايا سوء التربية للنظام التربوي، البئيس. وإن هو إلا نتيجة تخلي البيت، والمدرسة، والمجتمع عن مهمة التربية والتدريس، فكان عاقبة ذلك، هذا التبئيس والتدنيس، والتيئيس.

ولكن الذي لا مراء فيه، أنه لا عذر لمن هندسوا وخططوا، وأنجزوا التمثال، لأن كل ذلك إنما يؤكد الاضطراب الذي يعاني منه،  بعض من تسند إليهم، مشاريع كبرى، كتظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية.

لقد ذلل هؤلاء، عن جهل بالواقع يسكنهم، حين لم يعلموا أن ابن باديس ليس ملكا لأسرته العائلية الضيقة، ولا هو ابن مدينة بأسوارها وجسورها الشيقة، وإنما هو رمز لأمة كاملة لا تحدها حدود الإقليم، ولا تسعها مساحة سوء التنظيم، وبؤس التعليم.

ولا ينجى هؤلاء، من الملامة والعتاب، نزع التمثال، بعد اضطراب المدينة، ولا امتصاص الغضب، بعد غرق السفينة؛ فقد أشعلوا نار الفتنة، وتسببوا في إحداث الغبنة.

فأيا كان المبدأ الشرعي لوضع تمثال لابن باديس، والاشتغال والتنازع الذي أحاط بجواز أو عدم نصبه، فإن الأساس في الفتنة يبدؤ من القفز على أبجديات أساسية، في العملية، ولعل أبرزها ما يلي:

1عدم  إسناد الأمر إلى أهله من ذوي الاختصاص من العلماء، وأهل الحل والعقد، الذي هم وحدهم لهم الكلمة، في تجديد الجانب الفني لمصير عالم في قامة رائد النهضة الإمام عبد الحميد بن باديس.

2إسناد مهمة الإتجار _لو سلمنا بجوازهإلى الفنيين من ذوي الخبرة والكفاءة، المشهود لهم بالتجربة في هذا المجال.

3الاستنجاد بالبلدان الإسلامية، ذات الشهرة في النحت، والنقش، كتركيا، وماليزيا، والمغرب، ومصر، وغيرها.

إن القفز على هذه المعطيات كلها، من جانب المشرفين على تظاهرة عاصمة الثقافة العربية، قد أعطى الانطباع بوجود تأزم في قيادة هذه التظاهرة، مما يعكس مقدمة فاسدة على لغة أهل المنطق، وهو ما ينذر لا قدر الله بنتائج فاسدة.

إن على حكومتنا الموقرة، أن نتعلم عن طريق الخطإ، وقد تكاثرت الأخطاء، وما ذلك إلا لعدم إعطاء القوس باريها، في كل ميدان، فقد وضع قانون العقوبات الخاص بتنظيم الأسرة، فثارت ثائرة الناس حوله، فطلب سحبه نتيجة لثورة الشعب عليه، وأمر بإعادة النظر فيه.

وصدر قانون تحرير الخمر في الجزائر المسلمة، فكثرت المظاهرات، والاعتصامات والتهديد بالمليونيات، فاضطر أولوا الأمر إلى سحبه، لتهدئة الأوضاع، وامتصاص غضب الناس.

وثالثة الأثافي، هذا الذي حدث في قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، من إغفال افتتاح أول تظاهرة بآيات من الذكر الحكيم، وتغييب متعمد لجمعية العلماء من الافتتاح، أو على غرار ذلك كله الطامة الكبرى، وهو وضع هذا التمثال البئيس للإمام ابن باديس.

إننا نستهل بداية التظاهرة بهذه الفضائح كلها، ولا ندري ماذا ستفاجئنا به مسيرة التظاهرةولكن من باب النصح، ونحن متحدون دارا، أن نتعظ مما وقع، وأن لا نستيقظ مستقبلا، على وقع البلبلة والهزيمة، والغليان الشعبي، فيكون خراب الأسرة، ومضاعفة الحسرة، والتمكين لكل ما يجلب العسرة.

نريد للقائمين على الشأن عندنا، أن يعيدوا النظر في التكفل بالمشاريع الكبرى، فيستخلصوا من الأخطاء السابقة، ما يجنب الوقوع في الفضائح بتفادي الأخطاء الماضية.

فقد صاحبت الفضائح، تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، وتظاهرة المهرجان الإفريقي، وتظاهرة الجزائر، وها نحن اليوم في بداية الفضائح، وعلى لغة جماهير الملاعبهذي البداية.. ومازال مازال“.

تنصح القائمين على الأمر والنهي عندنا أن يحكّموا العقل قبل العاطفة، وأن يقدموا المصلحة العليا قبل المصلحة الخاصة، فيضعوا المعايير قبل الإقدام على أي تدبير، ليختاروا الأصلح، والأنجح _في ضوء المعايير العلمية والاجتماعيةلإسناد المهام والمسؤوليات، ذلك لأن الأشخاص يزولون، والوطن باق، وإن الوطن هو الأبقى، والأتقى، والأرقى.  

مقالات ذات صلة