الرأي

الكتاب الذهبي للفساد

حبيب راشدين
  • 2071
  • 5

التقرير الذي نشرته “الشروق” أمس للزميلة آسيا شلابي عن إنفاق وزارة الثقافة لقرابة 70 مليار سنتيم على نشر 43 كتابا وهميا، لكتّاب وهميين، يتسوقون لقراء في حكم المجهول، يدفع حتما إلى اليأس والإحباط.. من كان يعتقد أن الفساد حكر على الورثة من عشيرة الزفت والنفط في “تركة” سوناطراك قبل أن تنضب آبارها، و”إكراميات” الطرق السريعة قبل أن تخسف بها الأرض، وأنه حيث يكون الفساد قد رقي إلى سلوك محمود في الوزارة الوصية على الثقافة والفنون الجميلة، فلا تثريب على من “يعاقره” كما تعاقر الخمر في دهاليز الوزارات الخدمية، وفي ما دونها من مرافق الاعتلاف العمومي المباح في المال العام.

المبلغ قد يبدو زهيدا هينا حين يقاس بملايين الدولارات التي اعتلفها أحدهم في وزارة الطاقة، وآنسه آخر في وزارة الأشغال العمومية، وآزرتهما البقية في الوزارات المستبدة بحصة الأسد من ميزانية الدولة، لكنه من جهة النسبة قد  يتفوق عليهم، بالنظر إلى حصة وزارة الثقافة التي تذيل في العادة قائمة توزيع ريع سوناطراك على وزارات الدولة.

ولأن الفساد السياسي والإداري والمالي، هي وجوهٌ متلازمة لعملة واحدة متداولة في الدولة التي تغيب فيها الشفافية، وتغرق مؤسساتها الرقابية في إجراءات بيروقراطية معطلة، ولا يتمتع فيها القضاء بهامش حرية واسع، فليس بوسعنا أن نثق في الحملات الموسمية التي يطلقها أرباب الدولة، كما حصل سنة 2010 على خلفية فضائح سوناطراك، والإعلان عن اكتشاف أكثر من 1600 صفقة مشبوهة، مع أنها لم تكن سوى الجزء البارز من جبل الجليد، الذي نرى آثاره في ظهور معالم النعمة والثراء السريع، وفي نمط الحياة عند المجرمين من ذوي الياقات البيضاء، المؤتمنين على صرف المال العام وإبرام الصفقات.

ولأني لم أكن أثق في مثل هذه الحملات الموسمية، كما لا أثق اليوم في الخطاب المجتر حولاجتثاث الفسادفقد كتبت وقتها مقالا مطولا في ركنموازناتتحت عنوان: “حملة مفلسة لمداعبة مجتمع الفساد، ذكرت فيه أنهحتى مع وجود عين بصيرة، وضمير حي، فإن يد الدولة القاصرة، بمؤسسات رقابة ضعيفة، وإدارات تعمل خارج مقاييس الشفافية، وقضاء مغلوب على أمره، فإنه لا يمكن لعاقل إلا أن يُطمْئِن مجتمع المفسدين من العلية، وكبار المجرمين من ذوي الياقات البيضاء بمستقبل آمن من الملاحقة والعقاب“. ولن أغير منه اليوم حرفا واحدا وقد مضى عليه أربع سنوات، كما لن أزيد على ما ختمت به المقال: أنهوبحساب بسيط قابل للمراجعة، قد نتفق على أن التوجّه نحو بناء دولة حديثة، بمؤسسات عصرية تعمل بقدر معقول من الشفافية، هو بلا ريب أقل كلفة من حملات موسمية تعمل كالحاطب بالليل، أو تكون في الغالب شقشقة تهدر ثم تستقر، وطواحن يُسمع لها جعجعة ولا يُرى لها طحين“.

 

وفي انتظار ذلك سيبقى حديثنا عن الفساد ـ ولو من باب الإنكار الشرعي باللسان ـ محض شقشقة تهدر ولها ألا ترد، ويبقى الوعيد الرسمي باجتثاث الفساد جعجعة صرفة لطواحين يسمع لها جعجعة ولن يصلنا منها طحين، سوى هواء تطحنه أضراسنا من الغيظ.

مقالات ذات صلة