الرأي

الكرة والكُره!

المحلِّق في الفضاء الأزرق، منذ فترة ليست بالقصيرة، يتخيّل بأن دول شمال القارة الإفريقية المنتمية للعالم العربي، لا شأن لها في الحياة الدنيا، سوى لعبة كرة القدم، تلتقط فُتات الكلام الذي يسقط من البلاتوهات الإعلامية ومن التدخُّلات العشوائية المنشورة على “اليوتوب” وتدسّ فيها بعض التوابل اللفظية الحارة والسامة بعناوين هجينة، لتقدِّمها لشعوب تبدو وكأنها تعيش خارج عالم التطوّر التكنولوجي والفكري والجائحة القاتلة، بل خارج الكرة الأرضية وفي قلب الكرة المطاطية.

لو كان الحديث الكروي الفاعل للأفاعيل، عن تقنيات اللعبة، وجمالها، وعن مبدعيها، لهان الأمر، ولكن المصيبة أن الحديث مختصرٌ في الردّ على كلمة جارحة من هذا، وأخرى خاطئة من ذاك، لتتحوَّل إلى شتائم بالجملة، ليس بين أفراد، وإنما بين مجموعات في شكل أقوام، يشارك فيها حارسُ الزريبة مع الطبيب، والصبيُّ مع الطاعن في السن، في ظاهرة اجتماعية سيئة جدا، تُنزل المستوى إلى الحضيض، وتزيد من الفرقة بين الشخص وذاته، ولا نقول بينه وبين غيره من المواطنين والجيران.

هناك من الناس من كان مقتنعا بأنّ الحكام هم الذين خدّروا شعوبهم بلعبة كرة القدم، حتى ينسوهم المظالم، ويعيث الحاكم بتجاوزات في حق البلاد والعباد، لكن العالم الإفتراضي، أبان بأن المواطن الحرّ الماكث في البيت لوحده أو في مقرّ عمله أو في الشارع هو وحده من دسّ حقنة كرة القدم في ذراعه ليتمتَّع بنشوتها فيفقد عقله، ثم يغرق في فتنتها، فتراه يهاجم الناس، لأنهم قالوا رأيهم، ولا يتجاوز عن الزلات أو نار الغيرة التي تُلهب قلوب الآخرين، فيثور ويعلنها نار فتنة لا تبرد أبدا.

لقد اتُّهِم مرّة الرئيسُ المصري الراحل حسني مبارك بكونه استعمل لعبة كرة القدم من أجل تخدير الشعب، وتمرير سياسته من توريثٍ وتطبيع وتجويع، وغادر الرجل الحكم في سنة 2011 ثم الدنيا نهائيا في سنة 2020، ومازال الناس على عهدهم، يعجنون الكرة رغيفا، مرة، وقنبلة فتنة، مرات أخرى، في كل بلاد شمال إفريقيا بين شامتٍ في الخاسر كرويا وحاسد للرابح كرويا.

صحيحٌ أن انتقال لاعب كرة مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي من برشلونة إلى باريس، قد جلب ملايير المتابعين، بعكس فوز الباحثين الأمريكيين ديفيد يوليوس وآدم باتابوتيان بجائزة نوبل في الطب من دون أن يجلبا اهتمام أبناء بلدهما الأمريكيين، لكن هناك مبالغة في بلداننا بتحويل الكرة، التي هي رياضة فقط، إلى استفزازات ومعارك جانبية نظنُّ بأنَّ نارها أكثر لهيبا من نار الحرب نفسها، وكما قال مشاهير اللعبة مثل الألماني كلوب والهولندي فان باستن والإنجليزي لاينيكر، وجب أن لا يزيد توقيت مباراة كرة القدم عن تسعين دقيقة، وأن تنتهي مع صافرة النهاية على كل الميادين الخضراء والملوَّنة، بما فيها الميدان الأزرق.

مقالات ذات صلة