الكفيفة آمنة.. فقدت بصرها فأبدلها الله بنور القـرآن
“آمنة “.. داهمها المرض فجأة ودون مقدمات، أصيبت بداء السكري وعمرها 12 سنة، لبثت أياما وليالي طوالا في المستشفيات إلى أن فقدت رجلها اليسرى ثم حُرمت البصر بسبب خطإ طبي منذ تسع سنين وكانت الفاجعة، غير أنها رضيت بقضاء الله فباتت نفسها مرتاحة، واختارت طريق القرآن، فأعزها الله بحفظه وتلاوته كاملا بأحكامه.
بوجه يشع نورا ووقارا استقبلتنا “آمنة عدة”، 39 سنة، بمنزل عائلتها بمدينة موزاية غرب البليدة، تقول: “حزنتُ حزنا شديدا لما فقدت بصري وضاقت النفس ورأيت ما رأيت على فراش المرض وأصبحت مجرد جسد ملقى فوق السرير”. وتضيف: “ذات يوم، وبينما أنا بغرفتي التي لا أبرحها استمعت إلى برنامج عبر قناة “الناس”، وكان الموضوع يدور حول صحابة فقدوا أعضاءهم وحُرموا نعمة البصر غير أن الله فتح بصيرتهم وكانوا من العظماء”..
حينها أحست برحمة إلهية نزلت على قلبها، تقول، والتحقت بمسجد الشهداء بمدينة موزاية وصارت تحضر حلقات الذكر بمرافقة والدتها بشكل يومي وتحرص على الطاعات. فشعرت بارتياح نفسي كبير، وغابت عنها الهموم بعدما ذاقت حلاوة الإيمان. وأردفت أنها رأت ذات ليلة في منامها رؤيا تعاتبها لأنها تهاونت ولم تحفظ كتاب الله لما كانت مبصرة، فانتفضت من فراشها مفزوعة وتفجرت لديها الرغبة في حفظ القرآن، وتوفرت لها العزيمة، وصار حلم حياتها وكم كان تحقيق الحلم محفوفا بلحظات من اليأس. تقول “آمنة” وكم فاضت دموعها في عدد من المرات، وكانت أول عقبه واجهتها أنها بحثت عن مذياع لتشتريه فلم تجد فأصيبت بغصة إلى أن أهدتها معلمتها مذياعها الخاص وشريطين للحزبين الأول والثاني بصوت المقرئ خليل الحصري ففرحت كثيرا، ولما وصلت إلى الحزب الثالث اعترضتها مشكلة انعدام الأشرطة فاعتصر الحزن قلب “آمنة” طيلة ثلاثة أشهر، ولم تجد من حيلة غير الدعاء إلى الله ففرَّج كربها على يد أم صديقة لها زارت البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج وحين عودتها أهدتها 60 شريطا تسجيليا لكتاب الله كاملا، للقارئ ياسين الجزائري استعانت بها على الحفظ عن طريق السمع. وكانت لها ملكة استثنائية ساعدتها وتمكنت من حفظ حزب في اليوم إلى أن رزقها الله الختمة منذ أربعة أشهر.
وعن لحظة ختمها للمصحف تقول آمنة: “أحسست برجفة وبكيت بكاءً شديدا كما لم أبك من قبل، لأن الله منّ علي وكرمني بحمل كتابه”. وعن مسيرتها مع القرآن قالت إن الله عوضها خيرا بعدما حُرمت “حبيبتيها”، مؤكدة أن إحساس فقد نعمة البصر كان مريرا غير أن الله أبدلها بنور القرآن فصارت ترى به وتبصر.
“آمنة”، وبشهادة معارفها، سلخت نفسها من الدنيا وهي شاكرة وصابرة رغم أكدار الحياة وأوضارها، كرست نفسها لتعليم القرآن بمسجد الشهداء بمدينتها. ودرست عشرات الحفظة إناثا وذكورا ينادونها “أُمـــــي”. وتطوعت لتلقين القرآن الكريم لذوي الاحتياجات الخاصة بالمركز البيداغوجي للمعاقين ذهنيا بموزاية. وتأمل في تعلم “البراي” حتى تتمكن من تحضير الدروس والمواعظ لطلبتها وهي تقضي أيامها ولياليها في العبادة والتضرع إلى الله عسى أن يمُنّ عليها بزيارة لبيته الحرام والوقوف على قبر حبيبها رسول الله، وبصوت عذب رخيم يُبكي كل من سمعه اختتمت “آمنة” لقاءها مع “الشروق” بتلاوة آيات من “سورة مريم” وهنا فاضت مدامعها.