-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الرياء: المرض الأخطر والأكثر انتشارا في الأمّة!

سلطان بركاني
  • 39
  • 0
الرياء: المرض الأخطر والأكثر انتشارا في الأمّة!

من أعظم الأمراض التي لا نقلق لانتشارها ولا نهتمّ بعلاجها، مع ما فيها من فساد للدّين والدنيا والآخرة؛ “الرياء” الذي ثبت في الحديث الصحيح أنّه أكثر مرض خافه النبيّ  -صلّى الله عليه وسلّم- على أمّته كلّها وليس على أفراد قلائل منها، حيث قال: “إنّ أخوَف ما أخاف عليكم الشّركُ الأصغر: الرّياء؛ يقول اللهُ -عزّ وجلّ- لهم يوم القيامة إذا جُزِيَ الناس بأعمالِهم: اذْهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدّنيا، فانظروا هل تَجدون عندهم جزاءً؟!”.

عندما نقرأ أو نسمع هذا الحديث، ما منّا من أحد إلا ويُقنع نفسه بأنّه غير معنيّ بمضمونه؛ فهو -في نظره- يتحدّث عن ذلك العبد الذي يقوم بين النّاس يُجمّل لهم صلاته ليُعجَبوا به ويمتدحوه، أو عن ذلك الذي يصوم فيَخرج ليتحدّث في كلّ مجلس أنّه صائم، أو عن الآخر الذي يحجّ أو يعتمر ليحمل لقب “الحاجّ”… نعم، هذا كلّه رياء مهلك ومحبط للأعمال. لكنّ الرياء في هذا الزّمان أعمّ وأشمل من كلّ ما ذُكر؛ الرياء قد صبغ حياتنا كلّها، إلا ما رحم الله، ومن يتأمّل واقعنا يدرك أنّه كلّه -إلا ما عصم الله- أضحى مؤسَّسا على الرياء، ويفهم مع ذلك لماذا كان الرياء أكثر مرض حذّر منه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أمّته؛ فهو لم يعد مقصورا على الصلاة والصدقة والحجّ والعمرة فقط، بل عمّ معاملاتنا كلّها إلا ما رحم الله.

تجد العبد المسلم ينشط في العمل ويجوّده ويحسّنه ويتقنه، إذا رأى أعين النّاس مصوّبة نحوه، ويغشّ العمل وينقصه وربّما يتركه، إذا رأى أنّ النّاس قد انصرفوا بأبصارهم عنه.. تجده يتصدّق بين النّاس حتّى لا يُحرَج ويقال عنه بخيل، ويصلّي الجمعة في المسجد وليس في قلبه رغبة في الثّواب، إنّما في نفسه الخوف من عتاب النّاس إن هو صلّى في بيته ولم يسجّل حضوره في المسجد.. تجده يصلّي على الجنازة ويتبعها ويحضر دفنها ويعزّي ذويها، متى ما كان أهل الميّت من أقاربه أو جيرانه أو معارفه، ولا يخطر له على بال أن يكسب قيراطا أو قيراطين من الأجر. أمّا إذا لم تكن الجنازة لقريب أو جار أو صديق، فإنّه لا يعبأ بها ولا يتبعها ولا يحضر دفنها.. تجد العبد يبذل مبلغا كبيرا في عرس صديق أو جار أو قريب رياءً وسمعه، لكنّه لا يفكّر أبدا في أن يبذل عُشر ذلك المبلغ في تشييد بيت من بيوت الله أو إعانة أسرة فقيرة سرا.

في المعاملات؛ تجد الواحد منّا يزور المريض إذا كان ذووه مهمّين بالنسبة إليه أو من المتودّدين له، ولا يستحضر في نيته أنّ عيادة المريض عمل صالح أجره عظيم عند الله، لذلك فهو يتعامل معها كدَين اجتماعيّ: “فلان عادني في مرضي أعوده في مرضه، وفلان لم أر وجهه حين مرضت فلن تكتحل عينه برؤيتي إن مرض”! تجد الواحد منّا يهنّئ بالخير من يهنّئه ويتجاهل من عزف عن تهنئته، حتى وصل الأمر إلى أن يلوم أحدنا من لم يدعُه إلى “عشاء العمرة أو الحجّ”! ويتّخذ قراره بأن لا يهنّئه بعد عودته من البقاع المقدّسة… وهكذا، أصبحت عيادة المرضى دَيْنا ورياءً. وحضور الجنائز مقامات وسمعة. والتهنئة بالنجاحات –كذلك- طغت عليها حسابات المكافأة، وتقديم العون في الأعراس والمناسبات يدار بعقلية “خذ وهات”. وغدت العمرة في أيامنا زيارة مرتبطة بالألقاب وما تحمله الحقائب، والحجّ عند بعض النّاس ما بقيت له علاقة بالروح… بل قد أرهقنا الرياء في حياتنا حتى صرنا ننفق الأموال الطائلة ونسرف ونبذّر رياءً وسمعة؛ تجد الزوجة المسلمة لا حديث لها إلا أن تقول: “فلانة غيّرت “فايونس” بيتها وأنا أيضا يلزمني ذلك! فلانة اقتنت أثاثا جديدا وأنا ما زلت متشبّثة بأثاثي القديم! فلانة متّعت أبناءها برحلة اصطياف إلى تونس؛ فما الذي ينقصني حتى أفعل فعلها!”… أصبحت زوجاتنا وبناتنا -إلا من رحم الله- يعبدن المظاهر ويتنافسن فيها تنافسا محموما، رياءً وسمعة، وأصبحت رواتبنا تنفق على المظاهر لإرضاء الآخرين. اللباس الذي يفترض أن يكون سترا نتقرّب به إلى الله ونتجمّل به في حدود ما أباح الله، أضحى ميدانا للتنافس المحموم وإرضاء الأذواق، وصارت المرأة المسلمة لا تلبس ما يرضي عنها خالقها، وإنّما ما يجعل النّاس يقولون عنها: “فلانة تملك ذوقا راقيا في اللباس”!

لقد أصبح لزاما علينا أن نعود أدراجنا ونراجع حياتنا وأحوالنا، ونطهّر قلوبنا من هذا “الرياء” الذي لوّث نياتنا وأفسد حياتنا وجعلنا نعبد كلام النّاس ونظراتهم.. ليَعِشْ كلٌّ منّا حياته بما يرضي الله ولْيقلِ النّاس ما يقولون. ليعشْ كلّ واحد منّا حياته ببساطة، وكفانا آصارا وأغلالا وبروتوكولاتٍ ومظاهرَ.. اللّباس الذي نرتديه سيكون عبادة إن نحن أخلصنا النية لله وجعلناه محكوما بشرع الله. عيادة المريض عبادة أجرها عظيم عند الله، والعبد المؤمن يجعل ميزان حسناته بين عينيه ولا يهتمّ بمن زاره ومن لم يزره. حضور الجنائز وإتباعها عبادة وكلّما كان الميّت من فقراء النّاس وضعفائهم كان أجر اتّباع جنازته أعظم. مساعدة الأقارب والجيران والمعارف والأصدقاء في أعراسهم ومناسباتهم -فيما أباح الله- طاعة ومعروف، والعبد المؤمن يقدّم العون لكلّ من احتاجه بقدر استطاعته ولا تهمّه مواقف من قصد إعانته قبلها ولا بعدها. الإنفاق على الأبناء من غير إسراف وتبذير طاعة وعمل صالح، ولا ينبغي للعبد أن يحوّله إلى ميدان للرياء والمنافسة، فكلٌّ ينفق بمقدوره وقدره.

إنّ أعظم خسارة، أن ينفق العبد الملايين على الحجّ والعمرة، والملايين على أبنائه، والملايين في مساعدة من حوله، ويزور آلاف المرضى ويحضر آلاف الجنائز ويصلي آلاف الجمعات في المساجد… ثمّ لمّا يأتي يوم القيامة، يجد كلّ تلك الأعمال قد ذهبت هباءً منثورا، لأنّه لم يكن يعمل لوجه الله، إنّما لعيون النّاس.. ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا))، وحينما يتقدّم العبد ليسأل عن أجور كلّ الأعمال التي قدّمها في الدّنيا، يقال له: “اذْهَب إلى الذين كنت تُرائي في الدّنيا، فانظر هل تجد عِندهم جزاءً”!

فيا أيها الأخ المؤمن؛ إذا كنت تكسل عن العمل عندما تكون وحدك، وتنشط إذا كنت بين النّاس، فأنت من المرائين، فاحذر وتب وأصلح قلبك ونيتك.. إذا كنت تفرح وتزيد في عملك إذا مدحك النّاس، وتحزن وتنقص من العمل وربما تتركه إذا ذمّك النّاس، فاعلم أنّك من المرائين، فتب وخلّص نيتك واغسل قلبك.. اجهل طهارة قلبك من الرياء هدفا مهما في حياتك، تستعين عليه بالله، وتجعله نصب عينيك قبل كلّ عمل وبعده.. الإخلاص نور في القلب ونور في الوجه وبركة في العمل، فإذا لم تجد شيئا من ذلك، ففتش في قلبك، وابحث عن الفيروس الذي يفسد عليك سعادتك بطاعة الله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!