الحلال والحرام، المسموح والممنوع، وحرية التعبير
تتشكل هوية المجتمعات المعاصرة من خلال تدافع ثلاث مرجعيات أساسية ترسم حدود الفعل البشري؛ تبدأ بالمرجعية الأخلاقية الدينية التي تصنف الأفعال بين “حلال” يمثل سعة الأصل و”حرام” يمثل سياج الحماية القيمي، ثم المرجعية القانونية الوضعية التي تضبط حركة الأفراد عبر ثنائية “المسموح والممنوع” لضمان السلم الاجتماعي. وبينما تبدو هذه الحدود واضحة في النصوص، تبرز “حرية التعبير” كجسر قلق يحاول الموازنة بين الحق الفردي في المكاشفة والالتزام الجماعي بالثوابت.
في السياق العالمي، يشهد مفهوم حرية التعبير تحولات كبرى بفعل “الرقمنة الشاملة”، حيث اصطدمت المعايير الليبرالية الغربية التي تمنح الحرية سقفاً مرتفعاً، بضرورات الأمن القومي ومواجهة خطاب الكراهية، مما أعاد تعريف “الممنوع” عالمياً ليمتد إلى الخوارزميات وسياسات المنصات العابرة للحدود.
أما في الجزائر، فإن هذه الجدلية تأخذ أبعاداً عميقة؛ حيث يسعى المشرع الجزائري والمجتمع الأكاديمي إلى صياغة نموذج يوفق بين “القيم الروحية” (الحلال والحرام) وبين “الدولة القانونية” (المسموح والممنوع). إن حرية التعبير في الجزائر ليست مجرد ترف فكري، بل هي أداة لبناء السيادة الرقمية وتكريس الوعي الوطني، شريطة أن تنضبط بالمسؤولية الأخلاقية التي تحفظ تماسك المجتمع وتحمي ذاكرته التاريخية من التشويه أو التضليل.
إن فهم هذه المفاهيم يتطلب تجاوز النظرة السطحية، والبحث في كيفية تحويل “الحرية” من شعار مجرد إلى ممارسة واعية تحترم القانون (المسموح) وتسترشد بالقيم (الحلال)، لتكون رافداً للابتكار والتحرر من قيود الجمود الفكري.
وفي ظل الطفرة الرقمية التي نعيشها في الجزائر والعالم، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مرآة تعكس أخلاقنا ومدى وعينا القانوني؛ فهي ليست مجرد شاشات صماء، بل هي فضاءات للشهادة والكلمة المؤثرة. إن الاستخدام الرشيد لهذه الوسائل يتطلب منا استحضار ميزان دقيق يجمع بين “الرقابة الذاتية” المستمدة من مرجعيتنا الروحية، و”المواطنة الرقمية” الملتزمة بقوانين الجمهورية الجزائرية.
إن الممارسة الواعية تبدأ من إدراكنا لثنائية الحلال والحرام؛ فالكلمة أمانة، ونشر الحقائق حلال وبناء، بينما يظل الكذب والتضليل وهتك الأعراض في دائرة الحرام التي لا يمحوها “زر الحذف”. وبالتوازي مع ذلك، تأتي ثنائية المسموح والممنوع كإطار قانوني وضعي يضمن استقرار المجتمع؛ فبينما يُسمح لنا بمواكبة التطور ونشر المعرفة، يُمنع قانوناً خطاب الكراهية، التحريض، والمساس بمؤسسات الدولة أو أمن المواطن الرقمي.
أما عن حرية التعبير، ذلك الحق المكفول دستورياً، فيجب أن نعي أنها ليست “حقاً مطلقاً” للتجاوز، بل هي فعل ينتهي تماماً عندما يصطدم بحقوق الآخرين أو يمس بكرامتهم، أو حين يتحول التعبير إلى أداة لتهديد السلم الاجتماعي والسيادة الوطنية. إن حرية التعبير تنتهي عند حدود “المسؤولية”؛ فالحرية بلا ضوابط هي فوضى خلاقة، والكلمة التي لا تحترم الحلال ولا تلتزم بالمسموح تصبح معول هدم لا وسيلة بناء.
فلنجعل من حساباتنا الرقمية منابر للارتقاء الفكري، ولنكن سفراء لقيمنا الجزائرية الأصيلة، مدركين أن كل ما نخطه اليوم هو أثرٌ باقٍ، يُحاسبنا عليه الضمير ويضبطه القانون.
ففي الوقت الذي يقضي فيه المواطن الجزائري ساعات طوال يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يظن الكثيرون أن ما يظهر على شاشاتهم هو انعكاس للواقع أو نتيجة لمحض الصدفة. لكن الحقيقة تكمن في محركات خفية تُعرف بـ “الخوارزميات”؛ تلك الأكواد الذكية التي صُممت لهدف واحد أساسي: إبقاؤك أطول فترة ممكنة داخل المنصة. هذه الخوارزميات لا تهتم بالحقيقة قدر اهتمامها بـ “التفاعل”، فهي تقتات على مشاعرك، انحيازاتك، وحتى غضبك، لتقدم لك ما ترغب في رؤيته لا ما يجب عليك معرفته.
إن المأساة الحقيقية تظهر عندما نضع هذه الخوارزميات في كفة، و”فلاتر سقراط الثلاثة” في الكفة الأخرى. فالفيلسوف اليوناني وضع قديماً اختباراً صارماً لأي معلومة قبل قبولها أو نقلها:
1. فلتر الحقيقة: هل ما ستقوله حقيقي يقيناً؟
2. فلتر الخير: هل ما ستنقله يحمل خيراً أو نفعاً؟
3. فلتر الضرورة: هل من الضروري فعلاً أن نسمع هذا الكلام؟
بالمقابل، تعمل خوارزميات اليوم بشكل عكسي تماماً؛ فهي تمنح الأولوية للمعلومة الصادمة حتى لو كانت كاذبة (لأنها تجلب تفاعلاً أكبر)، وترفع من شأن المحتوى المثير للجدل أو “الفضائح” بدلاً من “الخير”، وتغرقك بآلاف التفاصيل التافهة التي تفتقر لأي “ضرورة” معرفية، مما يجعلنا نعيش في “غرف صدى” لا نسمع فيها إلا ما يوافق أهواءنا.
إن إدراك المواطن الجزائري لهذا التناقض هو الخطوة الأولى نحو السيادة الرقمية الشخصية. فبينما تحاول الخوارزمية إلغاء عقلك وتحويلك إلى مجرد “رقم تفاعلي”، يظل العودة إلى “فلاتر سقراط” هو السبيل الوحيد لاستعادة الحلال والحرام في القول، والمسموح والممنوع والتمييز بين حرية التعبير المسؤولة وبين الفوضى الخلاقة التي تفرضها علينا هندسة المنصات الكبرى.
فهذه المقالة موجهة إلى كل أب وأم يدركان عظم الأمانة؛ إن تربية طفل اليوم لم تعد تقتصر على توفير المأكل والملبس والتعليم، بل امتدت لتشمل حماية عقله من غزو افتراضي صامت. إننا اليوم أمام ضرورة تربوية ملحة تفرض علينا اتخاذ موقف حاسم بـ منع الأطفال تحت سن الثالثة عشرة من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي؛ ليس من قبيل التضييق أو الحرمان، بل لأن هذه المنصات لم تُصمم لتناسب أدمغة الأطفال التي لا تزال في طور النمو، حيث تفتقر أدمغة الأطفال في هذا السن إلى “الكوابح” النفسية والعصبية القادرة على مواجهة إغراءات العالم الرقمي.
إن منع الطفل عن هذه الوسائل يجب أن يتوازى مع عملية تكوين واعية؛ فبدلاً من تركهم فريسة للخوارزميات التي تبرمج عقولهم على السعي خلف “الإعجابات” الوهمية، يجب علينا تعليمهم “خفايا” هذه المنصات. إن الاستخدام المبكر لشبكات التواصل ليس مجرد تسلية، بل هو تعريض مباشر لصحة الطفل العقلية لمخاطر جسيمة؛ تبدأ بشتات الانتباه وضعف التركيز، وتصل إلى القلق والاكتئاب الناجم عن المقارنات الاجتماعية الزائفة، فضلاً عن خطر الإدمان الرقمي الذي يغير كيمياء الدماغ ويقتل فضول التعلم الفطري.
أيها الأولياء، إن دوركم اليوم هو أن تكونوا “الفلتر” الأول قبل سقراط وخوارزميات الشركات. علموا أبناءكم أن قيمتهم لا تُقاس بعدد المتابعين، وأن “الحلال والمسموح” في الفضاء الرقمي يبدأ من احترام الذات وحماية الخصوصية. إن تأخير دخول طفلك إلى هذا العالم وتكوينه على فهم آلياته هو أعظم استثمار تقدمه لصحته النفسية ولمستقبله الأكاديمي، لنربي جيلاً يملك التكنولوجيا ولا تملكه، ويستخدمها بوعي لا بتبعية.
كما أتوجه إلى السادة القائمين على قطاع التربية والتعليم، وإلى كل الغيورين على مستقبل الهوية الجزائرية؛ إننا اليوم أمام معركة وعي حقيقية تتجاوز جدران المدارس لتشمل البيت والشارع والمدرسة. إن الهجمة الرقمية الشرسة التي تشنها شبكات التواصل الاجتماعي على عقول أطفالنا تتطلب إطلاق حملة وطنية دائمـة ومستمرة، تهدف إلى توعية العائلات الجزائرية بخطورة الاستعمال غير السليم لهذه المنصات، وتدعو إلى خلق جو أسري واجتماعي يضع “الحواجز الذكية” أمام انجراف البراءة نحو عالم افتراضي لا يرحم.
إن الاكتفاء بمنع الأطفال أو التحذير من المخاطر لن يجدي نفعاً ما لم يقترن بـ رؤية استراتيجية تقودها السلطات العمومية لخلق “البديل الحيوي”. فالفراغ الذي تتركه الشاشات يجب أن يملأه مشروع وطني ضخم يفتح ورشات كبرى في الرياضة والرياضيات والأنشطة العلمية، ويعيد إحياء دور المكتبات والمسارح ودور الثقافة والشباب. إن الطفل الذي يجد شغفه في “حلبات الرياضة” أو “تحديات الحساب السريع” أو “خشبات المسرح” سيكون محصناً ذاتياً ضد إدمان “الإعجابات” الزائفة.
إننا ندعو إلى تكاتف الجهود لجعل المدرسة الجزائرية قاطرة لهذا التغيير، والشارع فضاءً تربوياً آمناً، والمنزل حصناً منيعاً. إن معركتنا اليوم هي استعادة “الوقت” من براثن الخوارزميات وإعادته لصالح بناء الفكر والجسم؛ فبناء جيل يتمتع بلياقة بدنية وذكاء رياضي وحس ثقافي هو الضمان الوحيد لجزائر قوية، رقميةً بأدواتها، وأصيلةً بقيمها.
مما لا شك فيه أن المنظومة التربوية الجزائرية قد استثمرت، من الناحية التنظيمية، في إنشاء نوادٍ ثقافية ورياضية داخل كل مؤسسة تعليمية عبر التراب الوطني، إلا أن الواقع المرير يشير إلى أن أغلب هذه النوادي تظل مجرد “حبر على ورق” أو هياكل إدارية جامدة لا تؤدي دورها الحيوي في صقل مواهب التلاميذ. إن هذا الشلل في النشاط المدرسي الموازي هو الذي ترك أبناءنا فريسة سهلة للفراغ القاتل ولخوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي التي تلتهم عقولهم بعيداً عن الرقابة والتربية.
إننا اليوم نرفع نداءً ملحاً إلى مدراء المؤسسات التربوية ورؤساء جمعيات أولياء التلاميذ، باعتبارهم شركاء في صناعة التغيير، بضرورة الانتقال من حالة “الجمود” إلى حالة “التفعيل الحقيقي” لهذه النوادي. إن تفعيل النشاط الثقافي والرياضي ليس ترفاً، بل هو ضرورة أمنية وتربوية تبدأ من مكاتب الإدارة لتصل إلى الملاعب والمكتبات المدرسية.
يجب أن تتحول كل مدرسة جزائرية—من تبسة إلى تندوف، ومن تيزي وزو إلى تمنراست—إلى ورشة عمل دائمة. إن إحياء مسابقات الحساب الذهني، والبطولات الرياضية المدرسية، ونوادي القراءة والمسرح، هو السبيل الوحيد لخلق “بيئة جاذبة” تغني الطفل عن عالم الافتراض وتضعه على طريق الإبداع والتميز. إن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق المسيرين المحليين لبعث الروح في هذه الفضاءات، وتحويل المدرسة من مجرد حجرات للدروس إلى منارات للعلم والنشاط الذي يبني الشخصية الوطنية المتكاملة.