الرأي

الكلمة.. الرصاصة

صالح عوض
  • 3287
  • 0

كلنا يعرف ما كان لكلمات شاعر الثورة الجزائرية العظيم مفدي زكريا من أثر.. كانت حروف كلماته حبات رصاص مشحونة ببارود حي لا يعرف رطوبة.. وكلنا يعرف أن رشاش كلماته كان يطرز الفضاء أغنيات تهتف بها الجبال السامقات وتتغنى بها الصبايا في خدورهن وعلى ينابيع المياه ويهتف بها الجنود يصطفون في صباحهم يتواعدون على عملية تمزق أشلاء الاستعمار.. لم تكن الكلمة أقل فعل من الرصاص بل كانت هي من يمزق الحجب أمامه ويضيء له سبل التألق فيلعلع الرصاص منتشيا لأن الكون يسجد له خاشعا وهو يعبر عن إرادة الحياة والحق في الحرية.

فأي الرصاص أبلغ وأبقى فعلا وحيوية من كلمات كتلك التي أطلقها شاعر القضية الفلسطينية الكبير محمود درويش، وهو يعلن للملأ أن المعركة ينبغي أن لا تتوقف حتى لحظة الانتصار ورحيل العابرين من الكلمات ومن حبل الغسيل وهواء الجليل، فلو سقطت ذراعك فعليك أن تلتقطها وتضرب عدوك بها حتى لو سقط أمامك أقرب الناس إليك فالتقطه واضرب عدوك به فأنت في مثل هذه الحالة من يقظة الفعل والإرادة منتصر حتما.. فكان مرفوع الهامة يمشي منتصب القامة يمشي.. لأن قراره مقاومة.

الكلمة الرصاصة هي البوابة الحقيقية للثورة والانتصار وعندما تغيب الكلمة الرصاصة يصبح الكلام مجرد هواء يلوكه المتفذلكون تمجه النفوس الصافية وتأباه العقول المتفتحة والأرواح المنشرحة.. فالكلمة الرصاصة هي التي تعبر عن عميق إرادة الناس ووعيهم ومصلحتهم ولأنها رصاصة فهي لا تتلوى ولا تتذبذب ولا تتردد بل هي أقصر المسافات بين نقطتين نقطة الانبعاث ونقطة الهدف.

والكلمة الرصاصة ليست فقط شعرا بل إنها تأتي على هيئات كثيرة تأتي نثرا أو مضمنة في حكاية ورواية وقصة.. تأتي بالفصحى أو الدارجة.. ولكنها في كل الأحوال تأتي تستمد من عميق الإيمان روحها ومن أكيد العزيمة فعلها فتشق الظلام والحواجز لتصل بلا عناء.

الكلمة الرصاصة والكلمة السيف هي الكلمة جامعة الحكمة والذوق والعمق والمضاء والقوة.. وللأسف إننا فقدن الكلمة السيف والكلمة الرصاصة فلقد كان السابقون من أمتنا يلتزمون بالكلمة كعهد لافكاك منه لأن الحروب لم تكن مجرد رسوم على ورق، إنما هي بنود ميثاق طبع في القلب وعلى الجبين فيصبح من العار التخلي عن حدود العهود.

والكلمة السيف لأنها عهد وميثاق لم يسرع العربي ليطلقها تحت ضغط أو قهر بل إنه يموت ذبحا وقتلا وحرقا ولا يعطي كلمته دونما اقتناع.. وإن تلفظ بها فإنه يلتزم مهما كان ثقل التكلفة.. وكانت الكلمات هي سجل علاقات الناس بعضهم.. ولما فقدنا قيمة الكلمة فلم تعد رصاصة ولا سيف إنما حروف مرسومة ضاع منا كل شيء.. ضاعت المروءة وضاعت العهود وضاعت العلاقات الحقيقية بين بني البشر.. وإن ضاعت قيمة الكلمة ضاع كل شيء وعلى الدنيا السلام..

نحن أمة الكلمة المبينة الدقيقة، الكلمة السيف والكلمة الرصاصة ينقصنا فقط من يحمل المشعل لتعود لنا هيبتنا وقيمتنا ونتقدم لاستلام الانتصار على بوابات القدس.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة