الرأي

الكنز المنسي

حصول جامع الجزائر الكبير، على جائزة أفضل تصميم معماري في العالم، لسنة 2021، من مؤسسة أمريكية، هو فتحٌ معنوي وسياحي وعلمي يمكن استغلاله للتأسيس للإشهار للذات، كما تفعل بعض البلدان التي تحوّل حبّة مدح مرمية من هناك، إلى قبة من الابتهاج والافتخار، تقيم بها الدنيا ولا تُقعدها.

وبغضِّ النظر عن كون مانح الجائزة هو متحف شيكاغو للهندسة المعمارية والمركز الأوروبي للفنون المعمارية، وبغضّ النظر أيضا عن كون مصمم الجامع ليس جزائريا، فإن الحدث الكبير، جزائريٌّ خالص، ومن غير المعقول أن لا تطلّ الجزائر من على نافذة العالم بهذا الجامع الفخم الذي يقدم رسالة حضارية تجمع بين القلب والقالب.

يقولون ويُجمعون على أن جسور قسنطينة وأنفاقها الباطنية هي واحدة من عجائب الدنيا، وبأن ما تكتنزه الجزائر من مدن رومانية أثرية، لا تمتلكها حتى عاصمة الرومان الأولى، وبأن صحراء الجزائر تقدم ما لا عين رأت من الجمال عبر متحف مفتوح، وبأن شواطئ الجزائر بتنوعها وشساعتها بإمكانها أن تشلّ كل أمواج بحار العالم، ومع ذلك يقوم الجزائريون بإخفاء هذه الكنوز، فلا هم ثمّنوها وقدّموها للعالم، ولا هم منعوا بقية البلدان من التطاول عليهم، بتبنيها أحيانا، إلى درجة أن بعض الهيئات في دول مجاورة صارت تقدّم تراث وكنوز الجزائر على أساس أنه ملكُها، مستغلة الفراغ الذي تركته الجزائر في الساحة السياحية.

هناك بلدانٌ كثيرة في العالم احتاجت إلى ما يشبه المعجزات من أجل أن تبعث صناعتها السياحية، بل إن بعضها راح يتبنى تراثا لغيرها، وتنشئ قرى تاريخية لا تاريخ فيها، وتنجز بنى تحتية بملايير الدولارات، وتتنازل أخلاقيا وسياسيا لأجل أن يزورها الناسُ من كل الدنيا مهما كانت مشاربهم وحتى نزواتهم المرفوضة في كل الأعراف، وهناك بلدانٌ أخرى ظلمتها الجغرافيا والمناخ، ومع ذلك ركبت قطار السياحة العالمي بالقوة، وصارت تقود هذه الصناعة التي تدُرّ على بلادها ملايير الدولارات، في حين تجد الجزائر بين يديها كل المقومات السياحية من تراثية وطبيعية ومناخية ودينية لا مثيل لها في العالم، ومع ذلك تغفل عن هذا الكنز وأحيانا تنساه.

يدرك بعض الذين يتوسّلون السياحة على أبواب أوروبا وأمريكا وآسيا من جيراننا، بأنَّ ما يقدِّمونه من تراث ومن مناظر طبيعية ومن تنوّع ثقافي، لا يمكنه أن يقارَن بما هو موجودٌ في الجزائر، ويعلمون بأن الجزائر لو أرادت، لهزَّت الدنيا ولخطفت منهم وبأقل جهد هؤلاء السياحَ الذين يفتخرون بهم ويبنون اقتصادهم بأرقامهم. ومن فخر الجزائر أن كل ميزاتها السياحية هي من نبع ثقافتها وحضارتها، وجاء حصول جامع الجزائر على جائزة أفضل تصميم معماري في العالم، ليؤكد بأننا قادرون -وبشهادة كبار الدنيا- على أن ندخل منافسة السياحة العالمية بالكنوز التراثية النظيفة التي تشرِّف بلادنا والمنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة