اللاجئون السوريون يعترفون: الجزائريون كانوا من الأوائل الذين فتحوا لنا بيوتهم
لم ينتظر الجزائريون صورة الصغير إيلان التي هزذت العالم الغربي، وهو يحتضن الموت في شاطئ تركي مهجور، حتى يهبوا لنجدة السوريين، فقد كانت شرارة الفتنة الأولى في سوريا شرارة عواطف من الجزائريين، الذين استقبلوا الجحافل الأولى من اللاجئين في بيوتهم، ويوجد حاليا ما لا يقل عن عشرين ألف سوري يعيشون في بيوت جزائرية، وهناك من العائلات من أعطاها الله بسطة من المال والسكن تركت بيتا محترما لعائلة سورية.
كما شهد الدخول المدرسي الحالي تواجد تلاميذ سوريين في مختلف الأطوار، وباعتراف السوريين والسوريات الذين يعيشون في الجزائر كلاجئين وكمستقرين، فإن الجزائريين رفقة اللبنانيين والأتراك، كانوا من أوائل الشعوب الذين أحسنوا استضافة إخوانهم السوريين، ولم يكن الجزائريون أبدا في انتظار قرار أو أمر أو حتى نصيحة فوقية من الرئيس مثلا لأجل فتح أبواب بيوتهم للسوريين من كل الطوائف والوجهات السياسية، بل حدث ذلك من تلقاء أنفسهم وتواصل من يوم الفتنة التي هزت سوريا إلى غاية اليوم أي ما بعد مأساة إيلان.
سوريات يبعن المناديل ويجنين النقود ولا أحد يأخذ المناديل
عادت مرة أخرى، ظاهرة انتشار اللاجئين السوريين، في شوارع وأحياء مدينة قسنطينة، بشكل لافت، لأن الأمر يتعلق بعائلات بكل أفرادها، أين تجدهم منتشرين في معظم نقاط مدينة قسنطينة، يحملون المناديل الجافة في أيديهم ويقدمونها للمارة لشرائها، فتمتلئ حقيبتهم اليدوية بالنقود، وتبقى المناديل كما هي، في أغرب عملية بيع وتجارة في العالم، كانت الساعة تشير إلى السادسة من مساء أول أمس، عندما بدأت “الشروق اليومي” استطلاعها حول اللاجئين السوريين المنتشرين في أزقة قسنطينة، ونزلت ضيفة في العراء ..
عائلات تعلم من أين جاءت ولا تدري إلى أين تذهب
نساء يجلسن القرفصاء في زوايا المدينة، عائلات قدمت منذ أشهر من دمشق وحلب وحماه واللاذقية وأرياف وجبال سوريا، بعد أن دمرت الحرب بيوتهم وآمالهم، ليحطوا رحالهم في الجزائر العاصمة قبل أن ينتقلوا إلى مدينة قسنطينة، لتبدأ هاته العائلات حياة جديدة وهي بالتأكيد مؤقتة كما قالت السيدة ميادة، بعد ما فرّوا من جحيم الحرب الدامية والمعارك والقصف الجنوني بين جيش النظام وقوات المعارضة المسلحة، بعضها أنعم الله عليه بسقف، وآخرين لا سقف يأويهم، ولكن الفنادق البسيطة منحتهم حق المبيت لمدة طويلة وأسعار منخفضة جدا، وبعضهم اختار الحدائق والساحات العمومية والشوارع.
واختارت هاته العائلات العيش بصفة مؤقتة في مدينة قسنطينة، ولكن في أجواء من الكرامة والكرم والشرف والحب أيضا، لما لاقته من حفاوة كبيرة من أهل المدينة، حسب ما صرحوا به للشروق اليومي، التي قررت أن تشارك بعضهم وجبة العشاء. وقد كانت بداية زيارتنا لعائلة سورية في وسط المدينة بحديقة بن ناصر، حيث منّ عليهم المحسنون بوجبة كاملة من حساء وبيتزا وسلطة وفاكهة ومشروبات وأيضا نقودا للمبيت في أي فندق في المدينة، كل أفراد العائلات السورية صارت تحفظ حتى أسماء الأكلات الجزائرية من كسرة ومحاجب وبوراك، لقد كان رمضان الماضي معاهدة دائمة مع الجزائريين، وكان هذا الخريف تأكيدا على أن للجرح السوري متألّم هنا في الجزائر.

ببراءة تحدثت إلينا الطفلة روى ذات الـ12 سنة وروت يومياتها في الجزائر، فقد تقرر دخولها خلال الأسبوع القادم إلى المدرسة، بعد أن وصل العائلة وعد بمنحها استوديو من أحد المحسنين، لا شيء يهمها الآن سوى حمل المحفظة كقريناتها في الجزائر، قاطعها والدها سليم وراح يروي لنا حياة المجهول، التي صار يعيشها رفقة عائلته منذ مأساة سوريا، أشار خلال حديثه إلى اللاجئين الأفارقة، الذين احتلوا هم الآخرين شوارع وأحياء وأرصفة قسنطينة، وامتهنوا التسوّل في كل نقطة من نقاط مدينة الصخر العتيق، ودخل البعض منهم في عالم السرقة والاحتيال للأسف كما قال، حيث قال لنا أنهم صاروا يخافون من النوم في الشوارع خوفا من بعض الأفارقة القادمين من دول الساحل الإفريقي، الذين قال لنا بأن عائلة منهم هاجمتهم قبل أيام قليلة، بمجرد أن وجدتهم نائمين في المكان الذي اعتادت النوم فيه قرب مطعم بمحطة المسافرين الشرقية، ولحسن حظهم تدخل بعض المواطنين وقاموا بحمايتهم.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلا، عندما قرّرنا مغادرة المكان، تاركين هاته العائلة وغيرها من العائلات السورية بين من تمكن من أن يجد له مسكنا وبين من ينتظر، ولكنهم أجمعوا على أن سوريا تسكن في قلوب الجزائريين عامة، فالمدارس مفتوحة وأبواب الشغل أيضا وحتى بيوت العائلات..
أبناء ڤالمة قاسموهم المسكن ولقمة العيش
قد تختلف وضعية اللاجئين السوريين من مكان لآخر، لكن الأكيد أن جميعهم وجدوا في الجزائر المعاملة الحسنة ولم يتعرضوا لأية مضايقات، وفي الوقت الذي فضٌل البعض منهم الإقامة في الفنادق أو بعض بيوت الشباب حرصا على عدم تكبد المزيد من المصاريف التي أثقلت كاهلهم في رحلة تنقلهم برفقة عائلاتهم من سوريا إلى الجزائر، وحطٌوا رحالهم بولاية عنابة، بحثا عن المعونة والمساعدة من أهل الخير من المصلين في المساجد، فإن البعض الآخر لجأ إلى ولاية ڤالمة القريبة، واختار الإقامة في بعض فنادقها أو عند بعض السوريين من الذين سبقوهم للنزول في الجزائر، هربا حسبهم من بطش آلة الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات.
وحسب بعض العائلات السورية المستقرة منذ مدٌة بمدينة ڤالمة، والتي فضلت دخول التراب الجزائري للإقامة المؤقتة، إلى حين عودة الهدوء إلى بلدها، فإنها لا تبحث سوى عن الأمن والإطمئنان، وفضلت الجزائر على أساس المعاملة الخاصة التي تتعامل بها السلطات الجزائرية مع الرعايا السوريين وفق الإتفاقيات المبرمة بين البلدين منذ عشرات السنين، حيث تسمح الأعراف الدبلوماسية بين البلدين للسوريين بالإقامة في الجزائر حتى في حال انقضاء آجال رخصة إقامتهم، بالإضافة إلى إعفائهم من الملاحقة الأمنية أو المتابعة القضائية وحتى الطرد إلى خارج الحدود الجزائرية إذا ضبطوا في حالة الإقامة غير الشرعية. هذه العائلات التي يوجد من بينها أشخاص أصيبوا خلال أحداث الثورة السورية، بدليل وجود آثار عنف وإصابات على أجسادهم، بالإضافة إلى بعض الأطفال القصر، اصطدمت بانعدام فرص العمل في الجزائر، أو بالأحرى التحفظ الكبير الذي يبديه أصحاب المصانع والمتاجر في التعامل مع هؤلاء اللاجئين، والذين دفعتهم الحاجة إلى التوافد على الأسواق والمساجد لمد اليد وطلب العون والمساعدة من المحسنين، بينما ينتشر البعض في الشارع على حواف الطرق الإستراتيجية لبيع المناديل ال،رقية والحصول على الصدقة، فيما يعمل بعض أصحاب الحرف في ورشات العمل المختلفة لتحقيق بعض المداخيل التي تغنيها عن مد اليد.

وتاريخيا يعود لجوء السوريين إلى الجزائر في حالة اشتداد الخناق عليهم إلى عدٌة عقود مضت، منذ أن فرٌ بعض السياسيين السوريين المناهضين لحكم الرئيس السوري حافظ الأسد إلى الجزائر مطلع ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتوافد جماعات أخرى من المستثمرين والعاملين في مجال التنقيب عن المياه في مناطق مختلفة من الجزائر، بعد أن جلبوا معهم آلآت الحفر والتنقيب المعروفة بتسمية الدقاقة والتي تزايد عليها الطلب كثيرا من طرف بعض الفلاحين الجزائريين المستفيدين من برامج الدعم الفلاحي مطلع الألفية الحالية، وساهم في إنعاش عمل السوريين الذين فضل بعضهم الإقامة لأطول مدٌة في الجزائر، وحتى الإستقرار فيها، لما وجدوه من حسن المعاملة ورواج مهنتهم في التنقيب، قبل أن تشهد بعض ولايات الوطن توافدا كبيرا للطباخين السوريين والتجار الذين تفننوا في تحضير أشهى مختلف الحلويات السورية والأطباق، خاصة منها الشوارمة والتي لقيت رواجا كبيرا في أوساط المستهلكين الجزائريين الذين أصبحوا يتباهون بتناول الوجبات السورية ويقدمونها لضيوفهم حتى في المنازل.
وفي الوقت الذي تأقلمت فيه بعض العائلات السورية مع الأوضاع الإجتماعية في الجزائر، بعد أن وجدت كل الترحيب من طرف الجزائريين، إلى درجة أن بعض العائلات الجزائرية في ولاية ڤالمة اقتسمت شققها مع بعض العائلات السورية الحاضنة لأطفالها، ووفرت العمل للرجال في بعض الورشات، إلاٌ أن الحنين لازال يشد هاته العائلات الهاربة من جحيم الحرب منذ سنوات بالعودة إلى الديار وهي تتابع باستمرار أخبار ما يحدث في سوريا الأم، ومنشغلة على حال اللاجئين السوريين في الدول الأخرى، قد ذكر بعض السوريين الذين رفضوا التصوير أنهم وجدوا في الجزائر ما قد لا يجدونه في أروبا من استقرار وتكافل إجتماعي، حيث أصبحوا يحسون أنهم جزائريون يتمتعون بكامل الحقوق بعد قبول أطفالهم في المدارس والمعاهد التعليمية، وكذا السماح لهم بممارسة أنشطة تجارية أو حرفية قد تغنيهم عن مد اليد والتسوٌل في أبواب المساجد.