-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللاجئون الصحراويون: بين تراجع المساعدات الإنسانية وغياب الحل السياسي

حمودي بشرايا
  • 59
  • 0
اللاجئون الصحراويون: بين تراجع المساعدات الإنسانية وغياب الحل السياسي
صوفيان شمشوم
في مخيمات تندوف تعيش ثلاثة أجيال من اللاجئين الصحراويين المتشبثين بهويتهم والذين ينتظرون أن يعودوا يوما إلى أرض أجدادهم، 2024.

تتفاقم مأساة اللاجئين الصحراويين، الذين يعيشون على الأراضي الجزائرية منذ نصف قرن، تحت وطأة تراجع المساعدات الإنسانية واستمرار غياب الحل السياسي. وبينما تتقلص الموارد المخصصة لتلبية احتياجاتهم الأساسية، يبقى النزاع الذي فرض عليهم اللجوء دون تسوية تتيح لهم ممارسة حقهم في تقرير المصير واتخاذ القرار بشأن مستقبلهم.

ليس نقص التمويل مجرد عجز في الميزانيات أو أرقام تُعرض في اجتماعات المانحين. ففي المخيمات، يعني ذلك غذاءً أقل، وعلاجاً يتأخر، وخدمات أساسية تتدهور، وأسراً تواجه مزيداً من الحرمان. وقد حذّرت خطة الاستجابة للاجئين الصحراويين، التي أعدّتها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في المخيمات، من أن التمويل غير الكافي يهدد قطاعات الغذاء والصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي.

وتكشف الأرقام حجم الأزمة. فحتى نهاية يوليو 2026، لم يُستلم سوى نحو 19 مليون دولار من أصل قرابة 89.6 مليون دولار طُلبت في إطار خطة الاستجابة لهذا العام. وأظهر تقييم برنامج الأغذية العالمي أن 64٪ من الأسر المشمولة بالمسح تعاني من انعدام الأمن الغذائي بدرجة متوسطة أو شديدة. كما أفادت اليونيسف بأنها جمعت 53.3٪ فقط من التمويل اللازم للحفاظ على منظومة التعليم الصحراوية، مما يعرّض تمدرس أكثر من 40 ألف طفل وطفلة للخطر.

من جانبه، حذّر الهلال الأحمر الصحراوي مراراً من عواقب نقص المساعدات التي تعتمد عليها الحياة في المخيمات إلى حد كبير. ودقّ ائتلاف المنظمات غير الحكومية للتنمية، الذي يضم نحو عشرين منظمة، ناقوس الخطر بشأن التدهور الممنهج للقطاعات الأساسية، مشيراً إلى تخفيضات تصل إلى 40٪ من المساعدات الإنسانية الموجّهة إلى المخيمات.

أمام هذا الوضع، يميل خطاب بعض الجهات الإنسانية إلى تقديم التكيّف مع نقص الموارد باعتباره الخيار المتاح. غير أن الإقرار بالقيود الراهنة لا يمكن أن يحلّ محل مسؤولية تعبئة التمويل والدفاع عن ظروف عيش كريمة. فاللاجئون ليسوا مسؤولين عن تمويل البرامج الإنسانية، ولا يجوز تحميلهم وحدهم تبعات تراجعها بعدما تحملوا لعقود نتائج واقع لم يختاروه.

لقد حافظ الصحراويون، رغم قسوة اللجوء والطبيعة ومحدودية الإمكانات، على تماسك مجتمعهم من خلال التنظيم والتكافل. لكن هذا الصمود لا يعفي الشركاء الإنسانيين من مسؤولياتهم، ولا يجعل قدرة الأسر على تحمل الحرمان مورداً لا ينفد. كما أن تعزيز الاعتماد على الذات يتطلب استثمارات مستمرة في التعليم والتكوين وسبل العيش؛ فلا يمكن تقليص المساعدات ثم مطالبة المتضررين بتدبير البدائل دون موارد وفرص.

ويتكرر في هذا السياق الحديث عن «إرهاق المانحين». وإذا كانت الأزمات المتعددة تؤثر في ميزانيات الدول وأولوياتها، فإن ذلك لا يمكن ان يكون جواباً لمن يعيشون هذه الأزمة يومياً ويدفعون ثمنها من صحتهم وتعليم أبنائهم. وهنا يستحضر المثل الشعبي الصحراوي: «إلى جا لعياط من الكدية لهروب منين؟» فإذا اكتفت الجهات التي يُفترض اللجوء إليها للمساندة بإعلان عجزها، فإلى من يتجه اللاجئون؟

تتحمل الوكالات الأممية والمنظمات العاملة في المخيمات مسؤولية خاصة، بوصفها شاهداً مباشراً على المعاناة. ويقتضي دورها توثيق الاحتياجات وآثار التخفيضات، ونقل أصوات اللاجئين إلى أصحاب قرار التمويل، وتوسيع قاعدة المانحين، وتحويل نقص الموارد إلى قضية عاجلة للمناصرة، قبل أن تصبح التخفيضات أمراً واقعاً يُطلب من الأسر التعايش معه.

ولا تنفصل هذه الأزمة عن تراجع المساعدة الإنمائية الرسمية عالمياً وتغيّر أولويات المانحين. غير أن الحالة الصحراوية تعاني أيضاً من طول أمد النزاع وتراجع الاهتمام الدولي. لذلك يظل «الترابط الثلاثي» بين العمل الإنساني والتنمية وبناء السلام ضرورياً: فالإغاثة تحفظ الحياة، والاستثمار التنموي يحد من الهشاشة، بينما يتطلب إنهاء اللجوء معالجة أسبابه السياسية وفق القانون الدولي.

اللاجئون الصحراويون في مخيّمات تندوف.. صمود وتشبث بالهوية رغم المعاناة

لكن الاعتراف بهذه الجذور لا يجيز تسييس المساعدات. فالغذاء والعلاج والتعليم حقوق تُلبّى على أساس الحاجة، ولا يجوز ربطها بقبول مقترح سياسي بعينه. وتستدعي المخاوف من تأثير الضغوط السياسية على التمويل توثيقاً ومساءلة؛ فإذا ثبت استخدام تقليص المساعدات لانتزاع تنازلات، فإن ذلك يشكّل توظيفاً للاحتياجات الأساسية أداةً للضغط.

إن الخروج من هذا الوضع يتطلب تأمين تمويل مستقر يحمي الخدمات الأساسية، إلى جانب تحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته في ضمان التطبيق الفعلي للقانون الدولي، بما يتيح للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير وسيادته على موارده الطبيعية. لقد أثبت الصحراويون قدرتهم على الصمود؛ والمطلوب اليوم أن يثبت المانحون والشركاء الإنسانيون قدرتهم على الوفاء بمسؤولياتهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!