-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللعب بالنار على مزاليق السياسة بين تركيا وروسيا

صالح عوض
  • 2138
  • 0
اللعب بالنار على مزاليق السياسة بين تركيا وروسيا

في السياسة لا يجوز اللعب بالنار، لأنه كما يقولون: “إذا خرجت الطلقة لا تعود”.. وخطأ الأفراد أقل بكثير من خطإ الجماعات والدول.. فعندما تشب النار في طرف الهشيم تصبح كل الاحتمالات واردة..

بين تركيا وروسيا تاريخ حافل من الاشتباك المتناقض.. كان أعنفها ما شهدته سنوات القرن المنصرم الأولى. وقد أبلى الفريقان في الحرب بعناد وصبر منقطع النظير، بمعنى أن الطرفين يخبران بعضهما جيدا رغم ذلك كانت أواصر المودة بين الأتراك والروس عميقة. فالمصاهرات والزيارات مفتوحة بين البلدين والشعبين وقد وجدت تألقها مع محيط روسيا الحيوي المتناثر في الجمهوريات الإسلامية، حيث أصبحت تركيا متداخلة في المنطقة بفاعلية أكسبتها فلكا اقتصاديا أسهم في التنمية بشكل مؤثر.

لابد من إشارة سريعة إلى التوجه “الاستراتيجي” لكلا البلدين حيث تحاول روسيا الاتحادية أن تستعيد دور الاتحاد السوفيتي في الصراع على مناطق النفوذ في مرحلة تتنامى فيها قوى اقتصادية عالمية أخرى.. وواضح أنه قد تحقق التماسك الروسي الاقتصادي والأمني وامتصاص الصدمة التي نتجت عن انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية. والخطير هنا أن الاتحاد الروسي لم يقنع بما حقق من انتعاش اقتصادي وخروج من المأزق بل توجه إلى السلاح وتطوير ترسانته العسكرية مما يعني أن التحرك الروسي لن يكتفي بتحريك مصانعه كما تفعل الصين وسواها من الدول التي نهجت أسلوب اقتحام الأسواق وإنما عادت الجيوش الروسية عاملا مهما حاسما في تعديل الخرائط السياسية كما حصل في جورجيا وأوكرانيا.. وهذا يعني عدم مكوث القرفصاء في انتظار تمدد الاستراتيجية الغربية الأمريكية بالدرع الصاروخية لتحاصر روسيا وتخفيض أسعار النفط والتآمر على الغاز الروسي والتحكم في مفاصل العالم الجيوسياسية.

أما تركيا، فهي جزء تاريخي من الجغرافيا الإسلامية وهي فاصلة بين االشرق والغرب تقف في كثير من الأحيان متأرجحة بفعل الجغرافيا القلقة.. ومنذ انهيار السلطنة وتفكك ولاياتها لم يستطع الأتراك امتصاص الصدمة العنيفة فانكسرت روحها وانهارت هويتها الثقافية والحضارية وتوج ذلك اعتلاء أتاتورك على قمة نظامها السياسي والثقافي والاجتماعي ووصل حد الهجوم إلى تغيير حرفها العربي إلى اللاتيني. وهي سياسيا  وأمنيا جزء من الحلف الأطلسي وقواتها جزء من حلف الناتو الغربي الرأسمالي… وتدوالت على سدة الحكم الأحزاب تحت حراسة صارمة من الجيش حامي العلمانية والجمهورية.. وبعد مغالبة طويلة تمكن الإسلاميون من التسلل والوصول إلى سدة الحكم لكن بعد أن خلعوا كثيرا من شعاراتهم ومواقفهم وبعد أن أبدوا على الأقل ظاهريا التزاما بما هو مسلمات سياسية غربية كوجود دولة إسرائيل والتنسيق الأمني والاستراتيجي معها.. وجد حكام تركيا الجدد أن مزيدا من التفاهمات مع الغرب سيخلصهم من سطوة الجيش وكان الغرب في الوقت نفسه يريد أن يتخلص من نفوذ الجيش في تركيا..

المهم أن تركيا تتزعم الآن حالة ثقافية سياسية تسود في المنطقة بعد أن تم تقديم الإسلام المعدل بديلا عن الأنظمة الديكتاتورية أو الإسلام الثوري أو المجموعات الإسلامية المسلحة.. وعلى الأقل قبل الغرب والأمريكان بالتعدد السياسي في الساحة الإسلامية وأعطوا فرصة بوجود التيار الإسلامي العلماني. وهكذا أصبحت تركيا زعيمة تيار يحب أن يعرف بأنه الإسلام المعتدل أو الوسطي الذي يتحرك من أجل إزاحة الأنظمة الديكتاتورية والتصدي للإسلام الثوري وقع الطريق على المجمعات الإسلامية السلفية المسلحة.. ولكن الأتراك ليسوا وحدهم في الملعب فأمريكا والغرب لا يقبلان باندحار أحد اللاعبين في الساحة الإسلامية لأن وجود الجميع ضرورة لاستمرار ابتزاز جميع الأطراف.

بين هذين الكيانين تبدو عملية الاشتباك بالسياسة والسلاح محتملة وواردة في كل حين.. لاسيما عندما حرك الروس قواتهم بالقرب من الحدود الشرقية لتركيا وفي منطقة تعتبر مجالا حيويا للنشاط التركي لاسيما بعد اندلاع الحرب الدامية في سوريا بين النظام السوري والمجموعات المسلحة التي لقي كثير منها دعما لوجستيا وماديا ضخما من تركيا.. لم يكن الروس في غفلة عن حساسية الأتراك ولكنهم دخلوا المسرح بعد فشل الأمريكان والغربيين في إسقاط النظام السوري.. وقد رأى الغربيون تغطية لفشلهم وعجزهم الزج بروسيا في الملعب لتعديل بعض الشروط لعلهم فيما بعد يكونون قد حققوا تورط روسيا في المستنقع وتخلصوا من عبء بعض القوى التي أصبحت بلا جدوى.. في حين كان الروس جادين من أجل العودة إلى منطقة خطيرة وحساسة مهما كان الثمن دفاعا عن روسيا واقتصادها وأمنها الاستراتيجي.. ووجدت روسيا في علاقتها بإيران اللاعب الأكثر حضورا وقوة في المنطقة بالإضافة إلى قوى سياسية وقتالية فرصة عدم تكرار مأساة الروس في أفغانستان فذهبت في العلاقة بإيران إلى أبعد مدى استراتيجي..

كانت الطائرات أمريكية الصنع وتركية القيادة تسقط طائرة روسية في الحين الذي كان فيه الرئيس الروسي يجتمع مع مرشد الجمهورية الإيرانية.. لم يكن الأمر مجرد مصادفة.. إنها محاولة من الأتراك لفرض الوجود.. إلا أنها كانت فرصة ثمينة للروس لكي يتحللوا من التزامات أخلاقية تجاه الأتراك ولكي يتحركوا بعنف لإنهاء النفوذ التركي على الحدود مع سوريا و ليحرموا تركيا من فوائد الحرب.. الأمر الآن ليس كما كان سابقا بين تركيا وروسيا.. الآن يتحرك الروس بلا تراخ وبسرعة لإنهاء ملف النفوذ التركي.. ولن تجدي لغة التأسف التركية.. فمتى نظل مسرحا للآخرين.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!