اللعب في الوقت بدل الضائع
كرة النار المتدحرجة من دون ضوابط ولا نواه، ومن غير أوامر، نافخة في الريح مع النار “بضبط النفس وعدم التصعيد”، تتجه نحو منحدر يصعب معه أن يتوفر ترابط وتسلسل الأحداث وتراكمها خلال الوقت بدل الضائع.
يستمر الكيان في الانتهاكات وتجاوز كل الخطوط الحمر، التي كانت قبل أشهر قليلة، فاصلا قاطعا، إعلاميا على الأقل، غير أنها كانت مبرمجة حتى قبل أن تنطلق عملية الإبادة في غزة قبل 13 شهرا.
المخطط كان جاهزا منذ غرس هذا الكيان: التوسُّع في الشرق الأوسط وقضم المنطقة جزءا جزءا، كلما أتيحت له الفرص، بإشعال حروب محلية، تمكِّنه من التوسُّع. وهنا كان مكمن “الخلاف الظاهري” الاستراتيجي بين الكيان وبين الإدارة الأمريكية بحزبيها المتناوبين على الحكم: كلا الطرفين كانا يعملان على توسعة رقعة الكيان على حساب الجغرافيا العربية، غير أنه لم يكن ممكنا دوليا. كانت الولايات المتحدة، تعمل على أن يكون ذلك من منظور “استعماري حداثي”، بمعنى “استعمار جديد ليبرالي” يفضى إلى ابتلاع المنطقة أمريكيًّا، من حيث الاقتصاد والاندماج في المنظومة الرأسمالية الأمريكية، وإيديولوجيا كأداة حمائية للغرب والتوجه الغربي ضد الشرق الأقصى الممتد من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، عبر إيران وروسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي سابقا.
كل المسألة وكل الخلاف بين الكيان، كقاعدة عسكرية متقدمة للولايات المتحدة في المشرق العربي، كما هو الحال اليوم مع أوكرانيا التي يراد لها أن تكون قاعدة متقدمة للغرب الأوروبي والأمريكي لمجابهة الشرق الكبير.. كل الخلاف كان في الطريقة والتريث والأخذ بالحسبان نسبة الخسارة والربح في أي عملية يمكن أن تُفسد المشروع قبل نضجه.
في هذا السياق، عملت إدارة ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى على تحويل الشرق الأوسط إلى حديقة متقدمة وفضاء تجاري وحتى “ناتو” عربي لمجابهة الخطر الأكبر: إيران. لكن إيران كانت مجرد بداية، فالأمر يتعلق بالصين وروسيا وضرورة احتوائهما أمنيا واقتصاديا. هذا لم يحدث، وكان غزوة “طوفان الأقصى” التي قلَّبت ظهر المجن، وخرَّبت كل أشكال التطبيع التي كانت تسير على قدم وساق رسميا لا شعبيا، إيمانا منها بأن هذا سيأتي تباعا عن طريق الأمر الواقع واستبدال وتعزيز القدرات السياسية وأدوات بعض الحكام المطبّعين للتمكن من بسط السيطرة والنفوذ على شعوبهم أوّلا، ثم على باقي الدول الرافضة لهذا المسار، عبر زعزعة استقرارها وإسقاط الأنظمة فيها إن لزم الأمر.
غيّر “طوفان الأقصى” من كل ما كان يحاك للمنطقة وفضح كل المخططات، لهذا صار اللعب اليوم على “المكشوف والناس تسمع وتشوف”، لا داعي للتسويف ولا للتخويف، مادام “الفأس قد وقع على الرأس”. هكذا، بدا ما كان مخفيا ويُخطَّط له في الخفاء وعلى المدى الطويل، يخرج للعلن، وتنطق إدارة الاحتلال الصهيونية بما كان يدور في خلدها من زرعها، من رغبة في “تغيير وجه الشرق الأوسط”.. من جديد بعد تلك التي عمل عليها بوش الابن وكوندوليزا رايس قبل نحو 30 سنة.. ولم تنجح، وسقط المشروع في وحل لبنان والعراق وأفغانستان وسوريا وليبيا واليمن…
اليوم، تتدحرج كرة اللهب نحو الهاوية، فتسارع الإدارة الأمريكية الفاشلة في تحقيق نوازعها مع الكيان، لتحاول إخماد نار قد تحرق تلابيبها، فلعلها تتمكن من إنقاذ الموقف قبل أن يصبح وبالا عليها وعلى مشروعها برمَّته، والذي عملت لأجله: فلبنان، ليس غزة المحاصَرة: إنها دولة ذات سيادة ولفرنسا ولأوروبا مواقف تاريخية ومصالح، وإيران ليست لاعبا واحدا، فالسعودية والإمارات وقطر وتركيا وروسيا والصين وطريق الحرير.. كلها تلتقي هنا.