-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللغةُ العربية ومستقبلُ العرب

بقلم الدكتور كمال ديب
  • 1513
  • 0
اللغةُ العربية ومستقبلُ العرب

بمناسبة انعقاد القمة العربية في العاصمة الجزائر يومي 1 و2 نوفمبر 2022، تصبح الجزائر محط أنظار العرب في كل مكان ومنبع لآمالهم في مستقبل أكثر إشراقاً، فهي البلد النموذج الذي قدّم مليون ونصف مليون شهيد من أجل الاستقلال ولتبقى راية اللغة والحضارة العربية حيّة بعد 130 سنة من الفرنسة والاستعمار.

وبعيداً عن السياسة والاقتصاد، يواجه العرب تحديات حضارية أمام وحدتهم اللغوية والثقافية، ولا بد من تسليط الضوء عليها وأن تكون على بساط البحث في مؤتمر القمة وكواليسه. إذ يواجه العرب محاولات محلية لتحويل لهجات عربية إلى لغات قائمة بذاتها ومنفصلة عن اللغة العربية الأم وطمس الهوية الحضارية العربية من أجل هويات إثنية محلية. وهناك مساعٍ محلية وغربية دخيلة أو إثنية في دول عربية لإضعاف حضور اللغة العربية سواءً بإدّعاء موتها أو أنّ العرب لا يفهمون بعضهم البعض. بديهي أنّ أساس أي أمة وشعب هو لغة حيّة تنعش ثقافته وازدهاره وإلا لا مكان له تحت الشمس.

أولاً، من الضروري توضيح الصورة؛ فالعربية ليست مقتصرة على عرق عربي، بل هي ثقافة وحضارة ينطقها مئات ملايين البشر ذوي أصول عرقية مختلفة، فالجزائري والمصري والسوداني والعراقي واللبناني… يستعمل العربية في حياته اليومية، يكتبها ويقرأها ويحكيها دون أن يكون أصله بالضرورة من من شبه الجزيرة العربية. واللغة العربية عريقة في القدم، بدأت قبل ثلاثة آلاف عام ونمت منذ القرن الرابع الميلادي حتى أصبحت اللغة السائدة في القرن العاشر من شبه الجزيرة الإيبيرية في غرب أوروبا إلى أواسط آسيا وجنوب الصحراء الإفريقية الكبرى، وعبر التجارة والسفر وانتشار الدين الإسلامي انتشرت أيضاً في جزائر آسيا (إندونيسيا وماليزيا وغيرها).

مراحل انتشار اللغة العربية

في البدء، كانت ثمّة عدّة لهجات من العربية القديمة، إلى أن ظهرت لهجة متينة ومعبّرة في منطقة الحجاز بنواتها في مكّة وتُعرف بالعربية القريشية (نسبة إلى قبيلة قريش) في سوق عكاظ في القرن الرابع الميلادي حيث تبارز الشعراء والأدباء.  وبرز النبوغ الشعري في منطقة نجد المجاورة وكذلك في الحيرة جنوب العراق في القرن السادس الميلادي، حيث كان يحضر البعض إلى سوق عكاظ لاستعراض مواهبه، وظهر كثيرون ممن نعرف اليوم بشعراء الجاهلية.

أمّا الحرف العربي فهو تطوّرٌ متراكم بدأ في بلاد الشام (بالأحرف النبطية من الأردن والتي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ومن الكتابة الكنعانية من السريانية والآرامية)، والحرف العربي استفاد أيضاً من الكتابة المسمارية في العراق والكتابة المصرية القديمة.  والأحرف العربية هي فنية بشكلها وانسيابها، أمكن استخدامُها في الرسم والنقش. واستُعملت في كتابة القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر والأدب والخطابة والسيرة منذ القرن السابع الميلادي وصولاً إلى العلوم والفلسفة في بغداد وحلب وغرناطة وغيرها من حواضر المدنية العربية، حيث نجح خليل بن أحمد الفراهيدي في ابتداع نماذج كتابة الأحرف العربية عام 786.

وما ساهم في انتشار العربية، أنّ حكومات الخلافة العربية كانت تنفق بسخاء على إنشاء المدارس ومعاهد المعرفة. وعلى سبيل المثال، أقرّت حكومة الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان العربيةَ لغة رسمية في الأندلس التي شهدت نهضة أدبية ومعرفية وفلسفية ضاهت المشرق العربي.  ومثال آخر هو تأسيس “بيت الحكمة” في بغداد كأكاديمية علوم عربية، نجحت في ترجمة آلاف الأعمال في الرياضيات والفلسفة وبات للعرب حضارة لا مثيل لها في الشرق والغرب. وسبب هذا النجاح في الانتشار هو الرعاية الرسمية كما أشرنا سواء في الخلافة الأموية أو العباسية أو الفاطمية في مصر وشمال إفريقيا، وفي الأندلس، والمملوكية في مصر.

وأدّت اللغة العربية دورا كبيرا في نشر الحضارة والوعي في القارة الأوروبية التي كانت لا تزال غارقة في عصور الظلام ( moyen age)، فانتقلت الكتبُ العربية في العلوم والرياضيات والفلسفة والطب إلى إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ودخلت المفردات العربية إلى اللغات الأوروبية، حتى وُلدت لهجاتٌ عربية دارجة في الأندلس وصقلية ومالطة وكريت، إذ حتى اليوم لا تزال أكثر من 500 مفردة عربية تُستعمل في اللغة الإيطالية المحكية في صقلية، كما أنّ لغات منطقة البلقان (بلغاريا، اليونان، صربيا، الخ) لا تزال تستعمل مئات المفردات العربية في حياة شعوبها اليومية. في حين نجد مئات الكلمات الاعربية حتى في اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية.

أمَّا في آسيا، فلا شكَّ أنَّ العربية تشكّل نسبة كبيرة من معاجم اللغات الفارسية والتركية والبنغالية والهندية والبلوشية والأفغانية والأزبكيةـ كما تشكّل نسبة كبرى من مفردات اللغات الإفريقية، وما السواحيلية في شرق إفريقيا إلا اندماج للّهجة اليمنية مع اللغات المحلية خلال قرون من الزمن.

في ظل السلطنة العثمانية دخلت اللغة عصر الانحطاط بسبب إهمال الدولة للغة العربية، حتى وصلت اللغة العربية إلى مرحلة كادت فيها أن تندثر؛ فالمغرب العربي وقع تحت الاستعمارين الفرنسي والإسباني، والجزائر كانت ضحية الاحتلال الفرنسي الذي فرض فرْنَسة متعمدة وبلا هوادة، فيما طغت كتابة الدارجة في بلدان المشرق وغاب إشراق العربية الفصحى وتعابيرها المهذبة. ولقرون طويلة تعايشت ثنائية اللهجات المحلية المشوّشة جنباً إلى جنب مع العربية الكلاسيكية التي كانت لا تزال تفهمها وتقرأها وتحفظها قلّة من المتعلمين.

تراجعت اللغة العربية أولاً في الشرق، إذ انفصلت الهضبة الإيرانية عن المنطقة العربية بولادة دولة فارسية في القرن الخامس عشر التي جعلت الفارسية لغتها الرسمية، ولكنها حافظت على الحرف العربي. وهذا الانفصال أبعد أيضاً بلاد السند والهند والطاجك والأزبك والأفغان عن القلب العربي.

وتلا ذلك وقوعُ المنطقة العربية تحت حكم السلطنة العثمانية منذ 1516 ولمدّة أربعة قرون. إذ حتى لو حكم العثمانيون باسم الإسلام، إلا أنّهم لم يحافظوا على اللغة والحضارة العربية ولم تصبح عاصمتهم اسطنبول مركزاً علمياً ثقافياً عربياً كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وغرناطة.

إلى أن ظهرت اللغة العربية الحديثة  arabe moderne standardiséeفي منتصف القرن التاسع عشر في لبنان وسورية ومصر حيث انتشرت المطابع ووُضعت القواميس والمعاجم وكتب قواعد اللغة العربية الحديثة وأساسها مزيجٌ من اللهجات المصرية والشامية. وهكذا عادت أنوار الحضارة العربية إلى الإضاءة وأخذ يبرز في عصر النهضة العربية أدباء وشعراء، وانتشرت اللغة العربية الحديثة حتى أصبحت لغة المدرسة والجامعة والجرائد والنشرات الرسمية.

ماذا حصل للهجات الدارجة؟

 ظهور لغة عربية حديثة في القرن التاسع عشر لم يلغِ اللهجات الدارجة حتى بين المتعلمين؛ ذلك أنّ اللهجات الدارجة سلكت طريقاً آخر غير ما سلكته اللغة العربية الكلاسيكية (لغة القرآن والحديث وشعراء الجاهلية والعصور الأموية والعباسية والأندلسية وغيرها)، ففي البدء كان ثمّة لهجتان محكيتان في الجزيرة العربية (في الحجاز ونجد والحيرة).  ولكن بعد الفتوحات الإسلامية منذ العام 630 ميلادياً وحتى القرن التاسع، انتشرت اللغة العربية وساهم في ذلك احتكاكُ العرب بالشعوب المحلية وولادة لهجات مختلفة في مصر وبلاد الشام والمغرب العربي والأندلس.

ثلاثة عوامل أدّت إلى ولادة اللهجات العربية الدارجة:

-تأثير اللغات المحلية التي سبقت العربية، فلوّنت النطق وانتقلت كلمات أصلية في صلب العربية المحكية.

  • الاحتفاظ بمفردات من العربية الكلاسيكية بدرجات متفاوتة بين منطقة وأخرى، فكلمة كثير مثلاً، تصبح “وايد” في الخليج، و”هوايا” في العراق، و”أوي” في مصر، و”برشا” في تونس، و”بزاف” في الجزائر والمغرب ولكنّها كلها مفرداتٌ عربية قاموسية.
  • تسلّل اللغات الأوروبية إلى اللهجات العربية المحكية في المرحلة الاستعمارية.

المعجزة كانت أنّ اللهجات المحكية المحلية صمدت أكثر من اللغة العربية الكلاسيكية في الحقبة العثمانية. وحتى مع ولادة اللغة العربية الحديثة، دخلت اللهجة المحكية الاستخدام منذ أواسط القرن العشرين في الراديو والتلفزيون والشعر العامّي (الزجل مثلاً) والغناء. إلا أنّ الأفضلية كانت للّغة العربية الحديثة المكتوبة؛ فكل من ذهب إلى المدرسة في الجزائر أو لبنان أو السودان، يمكنه أن يخاطب زميله في أي دولة عربية بالعربية الفصحى بدون أي صعوبة. وفي الوقت نفسه هو يحتفظ بلهجته الدارجة في البيت والحياة اليومية. وهناك ثماني لهجات عربية رئيسية اليوم، وهي:  اللهجة المصرية واللهجة الشامية (سورية ولبنان وفلسطين والأردن)، واللهجة المغاربية (الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، مالطة)، اللهجة الحسنية (موريتانيا)، اللهجة العراقية، اللهجة السودانية (السودان، مالي والتشاد)، واللهجة الخليجية (دول الخليج) واللهجة اليمنية (اليمن وعُمان والصومال وجيبوتي وجزر القمر).

تحدِّياتٌ معاصرة

حتى بعد النهضة الأدبية العربية في القرن التاسع عشر، حصلت أحداثٌ مؤسفة في القرن العشرين، ألحقت الضرر المؤقت أو الدائم باللغة العربية.

وحتى في لبنان بلد النهضة العربية، انطلقت حركاتٌ متواضعة لاستبدال الأحرف العربية باللاتينية، فأخذت صحيفة la Syrie  منذ العام 1922 تشّجع على ذلك، وقاد المستشرق لوي ماسينيون هذه الحركة. كما أنّ الشاعر اللبناني سعيد عقل أخذ يدعو  إلى استخدام اللهجة المحكية المحلية لغةً رسمية بدل العربية، والكتابة بالأحرف اللاتينية. وفي مصر خرجت مجموعة من المثقفين، ومنهم سلامة موسى وأحمد لطفي السيد وعبد العزيز  فهمي، تدعو إلى استبدال الدارجة المصرية باللغة الفصحى العربية، مكتوبة بالأحرف اللاتينية. ولكن في نهاية الأمر، لم تنجح هذه المحاولات، باستثناء مالطة التي حوّلت لهجتها العربية المحكية القريبة من التونسية إلى لغة رسمية مكتوبة بالأحرف اللاتينية.

وفي حين استمرت الكتابة بالأحرف العربية في إيران وأفغانستان والباكستان، توقفت في تركيا، ففي تركيا، استبدلت الدولة هناك الحرف العربي بالحرف اللاتيني في الكتابة بشكل مصطنع واعتباطي عام 1928، وألغت فجأة تراث ألف عام من استعمال اللغة العربية في الوثائق الرسمية وفي الأدب واللغة التركية.

وفي العام 2011، أصبح السودان دولتين بعد انفصال جنوبه عام 2011، وجعل جنوبُ السودان اللغةَ الإنكليزية التي لا يفقهها إلا قلّة من سكانه لغةً رسمية وأبطل اللغة العربية التي يعرفها الجميع ولا تزال هي لغة التلفزيون الرسمي ولغة العاصمة جوبا.

ويبقى الأمل أنّ ثمّة 422 مليون ناطق باللغة العربية في الدول العربية وعددها 22، في حين تعتبر العربية لغة رسمية في 28 دولة ومنها التشاد وارتريا وفلسطين المحتلة وتنزانيا، وتنتشر أيضاً في أكثر من 100 بلدٍ للحاجات دينية التي تفرضها الطقوس الإسلامية. كما تعترف عدّة دول بالعربية لغة وطنية غير رسمية وهي تركيا وإيران وقبرص ومالي والنيجر والسنغال.  والعربية اليوم تحقّق انتشاراً غير مسبوقٍ وتقدّماً ملفتاً في المعارف والمفردات.

والتلقين المدرسي للغة الفصحى له قيمة مضافة في أنّ اللهجات الدارجة تقترب منذ نصف قرن من العربية الفصحى وتتهذّب، ليصبح حديث أهل المدن في مراكش وسيدي بلعباس والبصرة وصنعاء أقرب إلى لهجة المدارس وسهلة الفهم.  كما يلاحظ أنّ كل الناطقين بالعربية يفهمون اللهجتين الشامية والمصرية، وليس هذا فقط بسبب انتشار الإعلام (تلفزيون وأغنيات) بل لاقتراب هاتين اللهجتين من اللغة العربية الحديثة.

وفي الختام تحية للجزائر التي نعتز بلغتها العربية وكفاحها الدائم للاستقلال وجمع كلمة العرب على القضايا المصيرية.

دخلت المفردات العربية إلى اللغات الأوروبية، حتى وُلدت لهجاتٌ عربية دارجة في الأندلس وصقلية ومالطة وكريت، إذ حتى اليوم لا تزال أكثر من 500 مفردة عربية تُستعمل في اللغة الإيطالية المحكية في صقلية، كما أنّ لغات منطقة البلقان (بلغاريا، اليونان، صربيا، الخ) لا تزال تستعمل مئات المفردات العربية في حياة شعوبها اليومية. في حين نجد مئات الكلمات الاعربية حتى في اللغات الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية.

ظهرت اللغة العربية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر في لبنان وسورية ومصر حيث انتشرت المطابع ووُضعت القواميس والمعاجم وكتب قواعد اللغة العربية الحديثة وأساسها مزيجٌ من اللهجات المصرية والشامية. وهكذا عادت أنوار الحضارة العربية إلى الإضاءة وأخذ يبرز في عصر النهضة العربية أدباء وشعراء، وانتشرت اللغة العربية الحديثة حتى أصبحت لغة المدرسة والجامعة والجرائد والنشرات الرسمية.

ثمّة 422 مليون ناطق باللغة العربية في الدول العربية وعددها 22، في حين تعتبر العربية لغة رسمية في 28 دولة ومنها التشاد وارتريا وفلسطين المحتلة وتنزانيا، وتنتشر أيضاً في أكثر من 100 بلدٍ للحاجات دينية التي تفرضها الطقوس الإسلامية. كما تعترف عدّة دول بالعربية لغة وطنية غير رسمية وهي تركيا وإيران وقبرص ومالي والنيجر والسنغال.  والعربية اليوم تحقّق انتشاراً غير مسبوقٍ وتقدّماً ملفتاً في المعارف والمفردات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!