الرأي

الله‭ ‬يلعنك‭.. ‬يا‭ ‬بيروقراطية‭!‬

جمال لعلامي
  • 4168
  • 5

التقرير السنوي للجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان، اتـّهم بيروقراطية الإدارة بتحريض المواطنين على الاحتجاج وأعمال الشغب والتخريب والتكسار وإشعال النار والخروج إلى الشارع، وهي بطبيعة الحال، تهمة ثقيلة وخطيرة، لكن من سيردّ على هذه التهمة فيتحدث باسم‭ ‬هذه‭ ‬الإدارة‭ ‬المتهمة‭ ‬في‭ ‬تزوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬وفي‭ ‬الرشوة‭ ‬وفي‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والمحسوبية‭ ‬وفي‭ ‬قتل‭ ‬المشاريع‭ ‬والتنمية‭ ‬المحلية؟

أعتقد أن المطلوب هو ثورة على الذهنيات الفاسدة والعقليات البائدة، فقد تقصد مقرّ بلدية أو دائرة أو ولاية أو أيّ مصلحة إدارية، فتصطدم بالإهمال واللامبالاة، ويا ريت يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، وإنـّما ستجد نفسك في مواجهة الاستفزاز، وهو ما يثير أعصاب العديد من الضحايا،‭ ‬فيرتكبون‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‭ ‬ردّات‭ ‬فعل‭ ‬وتصرفات‭ ‬تذمها‭ ‬الأخلاق‭ ‬وقد‭ ‬يُعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭!‬

البيروقراطية أصبحت تتبختر وتمشي على رجليها وأيديها وتزحف على بطنها، في البلديات والدوائر والولايات وكل المؤسسات والإدارات وفي المستشفيات، والأخطر من ذلك، أن هذه البيروقراطية اجتاحت أيضا الأسواق والبازارات والشوارع والطرق والمساجد والمدارس والبيوت والأسرة ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬فلبس‭ ‬الجميع‭ “‬برنوس‭” ‬البيروقراطية،‭ ‬عفانا‭ ‬الله‭ ‬وإياكم‭ ‬منها‭!‬

في البيروقراطية يتساوى الوزير والمدير والمير والغفير، ويصبح الكلّ بيروقراطيا يُمارسها كمهنة وهواية للتسلي بآهات المواطنين ومآسيهم، ولا داعي لذكر الأمثلة، فكلّ منا يكون قد اصطدم ببيروقراطي أظهر له النجوم في عزّ الظهر!

لا فرق في البيروقراطية بين مسؤول كبير وآخر صغير، ولا بين طبيب وممرض، ولا بين ساعي البريد وسائق الحافلة، ولا بين تاجر التجزئة أو تاجر الجملة، ولا بين “العسّاس” والمدير، وقد تجد “البلانطو” أكثر بيروقراطية من الرئيس المدير العام، وهذه هي الطامة الكبرى!

ملف تودعه ولا يردون عليك لا بالإيجاب ولا بالسلب رغم إيداعه منذ عدّة أشهر وربما سنوات، ومصلحة استعجالات في مستشفى بلا أطباء ولا ممرضين، وطوابير من أجل استخراج شهادات الميلاد وحتى الوفاة، وجواز سفر أو بطاقة رمادية لا تسلّم لصاحبها إلاّ بعد أن يجفّ عرقه، وصحفي‭ ‬لا‭ ‬يغطي‭ ‬معاناة‭ ‬زوالي‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تتعاظم‭ ‬المأساة،‭ ‬ومسؤول‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬في‭ ‬قراره‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الفأس‭ ‬على‭ ‬الرأس‭!‬

..تلكم كلها بيروقراطية، فهل هناك من ولدته أمه بمقدوره أن يُحارب في كلّ تلك الجبهات القتالية ويُحرز النصر ويُحافظ على حياته في نفس الوقت؟.. هي حرب انتحارية، لكن من الضروري أن يضع الجميع يدهم في يد بعضهم البعض، حتى يتم فضح البيروقراطيين وعزلهم ومعاقبتهم بالعدل‭ ‬والقانون‭!‬

لقد فرملت البيروقراطية عشرات المشاريع التنموية التي كان بوسعها إخراج الجزائريين من دائرة التبعية والتخلف والمعاناة، كما فرّخت البيروقراطية الرشوة وقنـّنتها، وأجبرت المستوردين والصناعيين والمستثمرين والسياسيين ومعهم بسطاء المواطنين، على أن يتحوّلوا إلى مفتين‭ ‬يفتون‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يعلمون،‭ ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬إنقاذ‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬مخالب‭ ‬البيروقراطية‭ ‬الملعونة‭!‬

لا ندري لماذا لا يتمّ استحداث وزارة للبيروقراطية، حتى يعرف الضحايا مع من يتكلمون ومن يقصدونه لحلّ معضلة عالقة، فتحلّ المشاكل وتنتهي الإشكاليات، وتتحدّد المسؤوليات، ويتمّ الابتعاد عن ثقافة “مسح الموس” في كباش الفداء!

مقالات ذات صلة