الله يذل اللّي ذلّنا
حكى لي الشيخ العباس بن الحسين، أحد أبرز أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وممثل رئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي، وممثل الثورة في المملكة العربية السعودية، ثم سفير بها للجزائر، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى بعد الشيخ صديق سعدي، وقبل الشيخ أحمد حماني، ثم عميد مسجد باريس من 1982 إلى أن توفاه الله في 3/5/1989.
حكى لي أنه عندما بدأت الإشاعات تروج عن الخلاف بين أحمد ابن بلة – رئيس الجمهورية قبل 19 جوان 1965، ووزيره للدفاع هواري بومدين، قدّم بعض أعضاء الجمعية لابن بلة مصحفا شريفا، ولعلهم كانوا يريدون أن يستميلوا قلبه نحو جمعية العلماء التي كان ابن بلة ممن لا يقدرونها لمرض فيه وغرض منه، حسدا من عند نفسه، و”الجاهلون لأهل العلم أعداء”.
رأى بومدين مشهد تقديم الهدية إلى ابن بلة، وكان مع بومدين بعض أعضاء الجمعية فقص عليهم قصة ملخصها أن شخصا كانت له زوجة ناشز، ولا تحسن التّبعّل لزوجها، فبذل لها النصح، ولكنها أصمت أذنيها، ولم تلقي السمع لنصحه، فما كانت ممن يحبون الناصحين.. واشتكى من سوء معاملتها له لأهلها ولبعض معارفه- فنصح أن يتزوج عليها، ودلّ على امرأة تتمتع بكل ما يهواه الرجل في المرأة من أخلاق حسنة وجمال شكل.. ووجدت النصيحة قلبا خاليا فتمكنت..
كانت هذه المرأة تحسن معاملة زوجها، وتسرع إلى تقديم ما يحتاجه قبل أن يطلبه كأنها تعرف ما يجول في خاطره، وكانت المرأة الناشز ترى ذلك فتتأجج نار الغيرة في صدرها، ثم اقتنعت – بعد أمة- أنها لابد أن تغير “سياستها” مع زوجها، وأن تحسن التبعل لبعلها.
ذات يوم قررت أن تسارع إلى استقبال زوجها قبل ضرّتها، فانتظرته، وما أن دق الباب حتى فتحته وانحنت وهي تقول له وعلى مرآى ومسمع من ضرّتها: “اركب، الله يذل اللي ذلّنا”، أي أذل الله من أذلنا أي ضرتها.. وكان بومدين يوجه رسالة لمن اعتبرهم تحيزوا لابن بلة ضده..
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع خطابات ملوك المسلمين ورؤسائهم وأمرائهم، وممثليهم، وكلمة رئيس دولة فلسطين محمود عباس الذي ألقاها من رام الله بفلسطين لأن “فرعون العصر” ترامب لم يمنحه تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة – على الباطل- الأمريكية.
لقد كان أكثر تلك الخطابات “ذليلة” لا تعبر عن “عزة الإسلام”، ولا عن كرامة المسلمين، حيث كان أكثر أولئك الخطباء يبتغون العزة عند غير الله، فأذلهم الله على أعين الجميع.. خاصة أولئك “الملوك والرؤساء، والأمراء” الذين “أمرهم” ترامب بالحضور إلى بيته الأبيض خارجيا الأسود داخليا.
لقد ابتغى أكثر المسلمين – حكاما ومحكومين- العزة عند غير العزيز الجبار، فأذلهم على أعين الناس، ولكنهم حيل بينهم وبين قلوبهم وعقولهم فلم تحرك فيهم الإهانة همة، لأنهم لا همة لهم.
لو أحسنا استعمال ما منّ الله به علينا من ثروة بشرية، وثروات ظاهرية وباطنية، وموقع جغرافي حاكم، وما سماه المناضل “فرانز فانون”: “السلاح الجبار”، وهو الإسلام، لأركعنا أعتى قوة في العالم، ولكننا أعرضنا عن ذكر الله، وجعلنا القرآن عضين فنحن نتجرع الإهانات من أحرص الناس على حياة، وتلك شر حياة، وما أذلنا إلا حكامنا، وما أضلنا إلا علماؤنا كما قال إمامنا محمد البشير الإبراهيمي، رحمه الله.