اللوبيات الفرنسية وترويج الكراهية
منذ استقلال الجزائر لم تتوقف فرنسا عن محاولة الضغط لفرض خياراتها عليها، وتجسيد الاستعمار غير المباشر لها، وذلك حرصا من قصر الإليزي على بقاء الجزائر في دائرة تأثيره من وراء البحار، كأنَّ صناع قراره فيه لا يريدون أن يستوعبوا أن صفحة الاحتلال قد طُويت بسيلان دماء ملايين من الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم بداية من سنة 1830م إلى سنة 1962م من أجل استقلال الجزائر الشامل.
إن هذه الرغبة الاستعمارية الجارفة والمستمرة في التحكم في القرار الجزائري غذّت، على مرّ العقود، لوبيات متشابكة في باريس تجمع بين أجنحة سياسية يمينية ويسارية، وأذرع اقتصادية، وكتّاب وإعلاميين مؤثرين، إضافة إلى شبكات ضغط شعبوية في الأوساط الفرنسية من المتعصبين القوميين والدينيين وبقايا الحركى والأقدام السوداء، كلها تتقاطع عند هدف واحد: تعطيل استقلال الجزائر الحقيقي.
المقزِّز حقا أن تصير قنواتٌ وصحف عبارة عن منصّات يومية لإعادة تدوير الصور النمطية السلبية المختلَقة عن الجزائر، وتقديمها كدولة غير مستقرة أو معادية للمصالح الغربية، ومفتعِلة للمشاكل الدبلوماسية، والعجيب أن هذا الخطاب الإعلامي لا يقتصر على اليمين المتطرف، بل يتسرب أيضا إلى بعض دوائر اليسار الفرنسي التي ما زالت أسيرة رؤية استعلائية تجاه الجزائر المستقلة.
إن خطر هذه اللوبيات لا يكمن فقط في مواقفها العدائية ضد الجزائر، دولة وشعبا، بل في قدرتها على التأثير المتوازي والمتكامل والمتواصل داخل دهاليز الدولة الفرنسية ومؤسساتها، وفي تشكيل الرأي العامّ الفرنسي والأوروبي، وفي التأثير على العلاقات الثنائية بشكل يجعلها رهينة الابتزاز السياسي والإعلامي، وهذا ما يستدعي من الجزائريين وعيًا سياسيًّا وإعلاميًّا ومجتمعيًّا قادرًا على كشف هذه الشبكات وفضح ارتباطاتها، إلى جانب سياسة خارجية حازمة-كما عوّدتنا دبلوماسيتنا القديرة- تُحصّن القرار الوطني من أي محاولات للاختراق الداخلي أو الوصاية الخارجية.
إن سر هذا العداء الفرنسي المتنوع عبر لوبياتها المتعددة يكمن في مزيج معقد من التاريخ والمصالح، ففرنسا الاستعمارية لم تكن ترى في الجزائر مستعمَرة عادية مثل المستعمرات الأخرى عربيًّا أو إفريقيًّا، بل اعتبرتها امتدادا جغرافيا وحضاريا مرتبطا بها إلى الأبد، وهذا الوهم التاريخي جعل فئة واسعة من النخبة الفرنسية غير قادرة على قبول فكرة أن الجزائر أصبحت دولة ذات سيادة تملك قرارها بيدها وتعيد صياغة هويتها بعيدا عن القالب الفرنكفوني، لذلك، فإن كثيرا من اللوبيات في باريس تتحرك بدافع جرح نفسي لم يلتئم منذ أن نُزعت الجزائر، الجنة المفقودة، من قبضة الاستعمار الفرنسي الوحشي.
لكن العامل التاريخي وحده لا يكفي لتفسير شراسة هذه اللوبيات، فهناك أيضا المصالح الاقتصادية العميقة، والجزائر، بثرواتها الطبيعية الهائلة، وخاصة الغاز والنفط، كانت لسنوات طويلة أحد أهمّ مصادر الإمداد الحيوي لفرنسا العجوز ورفاه شعبها لمدة أكثر من قرن، ولهذا فإن أي توجُّه جزائري لتنويع الشراكات المتوازنة وفرض شروط سيادية على العقود الاستراتيجية يُقابَل فورا بحملات تشويه وضغط سياسي وإعلامي منظم ومخطط، وتزداد هذه الحملات كلما قررت الجزائر الانفتاح على شركاء جدد كالصين وروسيا وتركيا وألمانيا، وإيطاليا التي أصبحت تمثل شريكا جادا في مجالات مختلفة للجزائر، أو عندما ترفض الانخراط في سياسات باريس الإفريقية التي فقدت الكثير من نفوذها فيها.
إن اللوبيات الاقتصادية الفرنسية ليست أقل تأثيرا، إذ تحاول بعض الشركات الكبرى فرض شروط استغلالية في مجالات الطاقة والموارد الطبيعية، وتضغط عبر قنوات رسمية وغير رسمية لإبقاء الجزائر في موقع التبعية الاقتصادية، وإن هذه المصالح ترتبط بدورها بدوائر سياسية ترى في أي تقارب جزائري مع قوى دولية أخرى تهديدا مباشرا للمصالح الفرنسية.
ولا يمكن أن نغفل عن التحوّل الخطير للإعلام الفرنسي المعادي للجزائر وجعله رأس الحربة لضربها، وهذا مُشاهَد في الحملة الشرسة عليها خاصة في هذه الفترة التي تسعى الدولة الجزائرية بحكمة لفرض التوازن الندي في العلاقات البينية مع فرنسا، إذ تنشط شبكات إعلامية فرنسية تابعة للتيارات اليمينية المتطرفة، وأخرى لليسار “الاستئصالي” الذي لم يتخلص من عقدة الاستعلاء الاستعماري، في تقديم صورة سلبية منهجية عن الجزائر، دولة وشعبا، عبر تضخيم القضايا الداخلية أو إثارة ملفات الهجرة والجالية بشكل عدائي، والغاية من ذلك ليست النقد البنّاء، بل ضرب سمعة الجزائر والتشكيك في مؤسساتها وشرعيتها، لتهيئة الرأي العامّ الفرنسي والعالمي لتَقبُّل ضغوط أكبر عليها.
والمقزِّز حقا أن تصير قنواتٌ وصحف عبارة عن منصّات يومية لإعادة تدوير الصور النمطية السلبية المختلَقة عن الجزائر، وتقديمها كدولة غير مستقرة أو معادية للمصالح الغربية، ومفتعِلة للمشاكل الدبلوماسية، والعجيب أن هذا الخطاب الإعلامي لا يقتصر على اليمين المتطرف، بل يتسرب أيضا إلى بعض دوائر اليسار الفرنسي التي ما زالت أسيرة رؤية استعلائية تجاه الجزائر المستقلة.
لقد أصبح من دأب الشبكات المتنوعة من القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية، بعد تلقيها الضوء الأخضر من الجهات الرسمية، العمل المتواصل على تكريس صورة مشوَّهة عن الجزائر، إما عبر التركيز المفرط على القضايا الداخلية وتحريفها وتضخيمها، أو عبر التحريض على مؤسسات الدولة الجزائرية، وإثارة الشكوك حول استقرارها، لإنتاج خطاب الكراهية الاستعلائي الاستعماري، بلسان شخصيات فرنسية وغير فرنسية معروفة بارتباطاتها بالهيئات السياسية ذات التوجه القومي المتعصب وبالدوائر والأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية.
وفي قلب هذه المنظومة تقف هذه الشخصيات متبنية مواقف استعمارية صريحة، والتي تقدّم الجزائر دائما كعدو تاريخي، وتستثمر في خطاب الحقد على المهاجرين الجزائريين… وفي المشهد الحزبي، لا يمكن إغفال خصومة أحزاب اليمين المتطرفة التي تستحضر في خطاباتها لغة الهيمنة الاستعمارية، وترفع شعار العداء للهجرة الجزائرية كجزء من دعايتها الانتخابية.
إن خطورة هذه اللوبيات تكمن في تداخل مصالحها وتكامل أدوارها؛ فالمسألة ليست مجرد تصريحات فردية أو حملات انتخابية عابرة، بل هي مشروعٌ متجذر في مؤسسات الدولة الفرنسية وأوساطها الثقافية والاقتصادية، يسعى من أجل الحفاظ على الجزائر كدائرة نفوذ فرنسي، وهو ما يفرض على الجزائر أن تُبقي جميع حواسّها في يقظة، وأن تطوِّر سياسات دفاعية ذكية على المستويات الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية، لمواجهة هذا الخطر المستمرّ الذي وإن تغيّرت أقنعته، فإن جوهره لا يزال يحمل روح الاستعمار القديم.
من جانب آخر، تلتقي هذه اللوبيات مع شبكات “الأقدام السوداء” و”الحركى” الذين ما زالوا يعيشون على ذكرى (الجزائر الفرنسية)، ويغذون خطابا انتقاميا، يجد صدى له داخل بعض الأحزاب الفرنسية التي تستثمر في هذا الإرث العدائي انتخابيا، كما تظل بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في فرنسا واجهة لأجندات سياسية تستهدف الجزائر تحت شعارات حقوق الإنسان أو الحريات أو الديمقراطية، لكنها في الواقع تتحرك وفق تمويلات وتوجيهات ومخططات من دوائر معادية، وقد ساهم الخطاب الشعبوي، الذي ينمِّيه تاريخٌ طويل من الكراهية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، في خلق بيئة اجتماعية فرنسية تنظر إلى الجزائر كعدو أبدي.
إن المتأمل في الواقع الفرنسي السلطوي والنخبوي على حد سواء يمكنه أن يدرك أن سر هذا العداء القديم الجديد ليس فقط مخلفات الماضي ولا فقط المصالح المادية، بل في خوف هذه اللوبيات من أن تصبح الجزائر نموذجا لدولة عربية مسلمة إفريقية مستقلة القرار، قادرة على كسر التبعية وإعادة صياغة علاقاتها الدولية على أساس الندية.
هذا النجاح الجزائري الذي بدأت إرهاصاته تظهر للعيان، والذي يعني بالنسبة لهم، نهاية نفوذ فرنسا التقليدي في المنطقة، وهو ما لا يريدونه أن يتحقق بأي ثمن.
إن الوعي الشعبي والسياسي في الجزائر بهذه الحقائق، وتجسيده لسياسات وطنية واقعية في الاقتصاد والإعلام والتعليم والدبلوماسية، هو السبيل الأقوى لتحييد هذه اللوبيات وكسر أدواتها، لأن الجزائر التي انتصرت على الاحتلال العسكري، قادرة اليوم على إفشال محاولات الاستعمار الجديد الذي تنوَّعت أشكاله، شرط أن يجتمع الجزائريون على فكرة أن استقلال الجزائر الذي رغب فيه الشهداء لن يكتمل إلا بالمحافظة على وحدتها وهويتها ومقدراتها المتنوعة، فتشقُّ طريقها قُدما نحو الأمام وهي صاحبة القرار السيد، هذا القرار الذي لا يكون إلا بأيدي أبنائها المخلصين فقط.