الرأي
في قضايا الأدب واللغة والفن

اللُّغَة العَرَبِيَّة لِسَانُ العُلُوم..!

بِقَلَم: عَمَّار قواسمية
  • 765
  • 0

قَرَأْتُ مَرَّةً فِي مَوضِعٍ مَا: [مَعَ تَطَوُّرِ العُلُومِ وَاتِّسَاعِهَا وَتَلَاقُحِهَا وَتَزَايُدِ الاهتِمَامِ بِالإِنسَانِ وَالتَّركِيزِ عَلَى عُلُومِ الدِّمَاغِ وَتَجَارِبِ الجِينُومِ، صَارَ مِنَ الحَاجَةِ أَن تَدخُلَ اللُّغَةُ غِمَارَ هَذِهِ الثَّورَة..] وَمَا شَدَّ انتِبَاهِي هُوَ وُجُودُ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةِ المَظهَرِ إِفْرنْجِيَّةِ الجَوهَرِ، أَعنِي “الجِينُوم”. وَلَستُ أَرَى مُسَوِّغًا لِاسْتِعمَالِهَا، لَا سِيَّمَا أَنَّ بَحثًا سَرِيعًا يُسفِرُ عَن بَدَائِلَ عَرَبِيَّةٍ أَصِيلَةٍ لِهَذِه الكَلِمَة تُغنِينَا عَن الدَّخِيلَةِ، مِنهَا: صَحِيفَةُ المُحتَوَى الوِرَاثِيّ، وَالمَجمُوعُ المُوَرِّثِيّ، وَالشَّرِيطُ الوِرَاثِيّ، أَوْ حَتَّى “المجِين” وَهَذَا نَحتٌ مَقبُول. وَمَا نُزُوعُنَا إلى إِحلَالِ الإِفْرنْجِيِّ بِلَفظٍ عَرَبِيٍّ مَحَلَّ العَرَبِيِّ لَفظًا وَمَعنًى إِلَّا سَبِيلٌ «تُنزَعُ بِهِ مِنَ اللُّغَاتِ أَروَاحُهَا وَتَتَلَبَّسُ أَجسَادَهَا أَروَاحٌ جَدِيدَةٌ، فَلَا يَكُونُ لَهَا إِلَّا صُورَة الجَسَدِ»، كَمَا عَبَّرَ التَّرجُمَانُ “أَحمَد الغَامِدِيّ” فِي كِتَابِهِ الرَّائِعِ «العَرَنْجِيَّة».

وَقَد كَانَتِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ –فِي وَقتٍ مَا– مُغدِقًا عَلَى لُغَاتِ العَالَمِ الأُخرَى، بِمَعنَى أَنَّهَا كَانَت تُغْدِقُ عَلَيها بِالمُصطَلَحَاتِ وَالمَفَاهِيمِ فِي مَجَالَاتٍ دَقِيقَةٍ كَالطِّبِّ وَالفَلْسَفَةِ. ثُـمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ تَرَاجَعَت لِـتَكُونَ مُستَهلِكًا وَمُستَقبِلًا فَقَط، وَلَيسَ هَذَا قُصُورًا فِي لُغَتِنا بَل هُوَ تَقصِيرٌ مِن مُستَخدِمِيهَا، أَعنِي تَقصِيرًا مِنَّا؛ إِذ صَارَ دَأبُنَا الإِسرَاعَ إِلَى الِاقتِرَاضِ مِن اللُّغَاتِ الأُخرَى وَمُحَاكَاةِ تَرَاكِيبِهَا.

أَذْكُرُ أَنَّنِي قَرَأتُ المُصطَلَحَ الطِّبِّيَّ piamater الَّذِي اقتَرَضَتهُ الإِنكلِيزِيَّة مِنَ اللَّاتِينِيَّة، وَهُو غِشَاءٌ رَقِيقٌ جِدًّا يُغَلِّفُ المُخَّ وَيَتَخَلَّلُ جَمِيعَ تَلَافِيفِهِ، حَيثُ تَنتَشِرُ الأَوعِيَةُ الدَّمَوِيَّةُ عَن طَرِيقِهِ فِي المُخِّ. هَذَا المُصطَلَحُ اقتَرَضَتهُ اللَّاتِينِيَّة من العَرَبِيَّة، مُحَاكَاةً عَنِ المُصطَلَحِ الَّذِي قَدَّمَهُ أَطِبَّاءُ العَرَبِ الأَوَائِل. هَذَا المُصْطَلَحُ هُوَ “الأُمُّ الحَنُون”، حَيثُ: قَابَلُوا الِاسمَ “الأُمَّ” بِالِاسمِ mater وَالصِّفَة “الحَنُون” بِالصِّفَة pia.

وَقَد شَهِدَ الآخَرُ لِإِسهَامَاتِ المُسلِمِينَ وَالعَرَبِ فِي الحَضَارَةِ الإِنسَانِيَّةِ وَالمَعرِفَةِ البَشَرِيَّةِ، وَمِنهُم الكِيميَائِيُّ وَالمُؤَرِّخُ الأَمرِيكِيُّ البَلجِيكِيُّ “جُورج سَارتر” الَّذِي قَالَ: [مُنذُ شَرَعَ المُسلِمُونَ يَتَشَكَّكُونَ فِي النَّظَرِيَّاتِ الكِيميَائِيَّةِ القَدِيمَةِ بَدَأَت مَرحَلَةُ وُصُولِهِم إِلَى مُستَوًى عَالٍ مِنَ التَّفكِيرِ الكِيميَائِيِّ]، أَمَّا “وِلْيَم أُوسْلَر” وَهُوَ أَحَدُ أَشهَرِ أَسَاتِذَةِ الطِّبِّ فِي كَنَدَا فَقَد قَالَ: [لَئِنْ أَشعَلَ العَرَبُ سِرَاجَهُم مِن ثَقَافَةِ اليُونَانِ فَإِنَّهُم مَا لَبِثُوا أَن أَصبَحُوا شُعلَةً وَهَّاجَةً استَضَاءَ بِنُورِهَا أَهلُ الأَرضِ]، وَغَيرُهُمَا كَثِير.

وَمَن ذَا الَّذِي قَد يُنكِرُ إِسهَامَاتِ “ابنِ سِينَا” فِي الطِّبِّ؟ سَوَاءٌ فِي كِتَابِهِ “القَانُونُ فِي الطِّبِّ” أَوْ حَتَّى فِي “أُرْجُوزَتِهِ” الشَّهِيرَةِ المَنظُومَةِ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ جَمِيلَةٍ وَبَلِيغَةٍ، عَرَّجَ فِيهَا عَلَى مَحَاوِرَ دَقِيقَةٍ مِثلَ: ذِكْرِ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَالأَمزِجَةِ، وَالأَخلَاطِ، وَالأَعضَاءِ، وَتَغَيُّرِ الهَوَاءِ، وَالضَّرُورِيَّاتِ وَغَيرِهَا.. ثُمَّ مَا لَبِثَ أَن صَارَ هَذَانِ الكِتَابَانِ مَصدَرًا لِلعِلمِ الرَّصِينِ يُتَرجَمُ إِلَى كُلِّ لُغَاتِ العَالَمِ الأُخْرَى، عِلَاوَةً عَلَى كُتُبِ عُلَمَاءٍ أَجِلَّاءَ آخَرِينَ كَابْنِ الهَيْثَمِ، وَالرَّازِي، وَالزَّهْرَاوِيّ، وَالبَيرُونِيّ، وَالكِنْدِيّ، وَآخَرِينَ…

وَيُؤَثِّلُ -أَوْ يُؤَصِّلُ- الدُّكتُورُ “مُهَنَّد عَبد الرَّزَّاق الفَلُّوجِيّ” فِي كِتَابِهِ «مُعجَمُ الفِردَوسِ» لِآلَافِ الكَلِمَاتِ الإِفْرنجِيَّةِ ذَاتِ الأَصلِ العَرَبِيِّ، وَعَلَى رَأْسِهَا الإِنكلِيزِيَّة مِثل: abdomen “البَطن”، adenoid “غُدِّيّ”، age “عَجْز”، ailment “عِلَّة أَوْ أَلَم”، ache “آخْ”، adequate “الدِّقَّة”، وَغَيْرِهَا..

فَتَأَمَّلُوا عَظَمَةَ الضَّادِ فِي التَّعبِيرِ عَن المَفَاهِيمِ بِتَرَاكِيبَ بَسِيطَةٍ أَقنَعَتِ الآخَرَ لِاقتِرَاضِهَا وَمُحَاكَاتِهَا..! وَهُنَا أَدعُوكُم إِلَى الغَوصِ فِي أَعمَاقِ التَّارِيخِ وَخَوضِ غِمَارِهِ، وَالإِبحَارِ فِي مَعَاجِمِ لُغَتِنَا العَتِيدَةِ وَالمَجِيدَةِ وَالتَّلِيدَةِ؛ لِلنَّهلِ مِنْ دُرَرِ تُرَاثِنَا اللُّغَوِيَّةِ وَالعِلمِيَّةِ وَالفِكرِيَّةِ وَالفَلسَفِيَّةِ.

وَأَختِمُ بِقَولِي: اللُّغَةُ كَائِنٌ حَيٌّ يَتَغَذَّى عَلَى الاِستِعمَالِ، وَكُلَّمَا اسْتَعمَلنَاها أَكثَر ازدَادَ إِدرَاكُنَا لِكُنهِهَا وَكُنُوزِهَا وَخَبَايَاهَا وَخَفَايَاهَا. وَاللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ عَلَى وَجهِ الخُصُوصِ مَنجَمٌ ثَرِيٌّ، عَلَى المُنَقِّبِ فِيهِ أَن يَتَسَلَّحَ بِالأَدَوَاتِ اللَّازِمَةِ لِيَنهَلَ مِن بُطُونِهِ وَيَستَخرِجَ مِنهَا النَّفَائِسَ وَالدُّرَرَ. فَإِنْ بَانَ عَجزٌ فِي التَّعبِيرِ عَن مَفهُومٍ مَا أَوْ سَبكِ مُصطَلَحٍ يُعَبِّرُ عَنهُ فَالتَّقصِيرُ مِنَّا، وَالعَرَبِيَّةُ بَراءٌ مِن كُلِّ قُصُور.

مقالات ذات صلة