الجزائر
أجرة بنَّاء بلغت 40 مليون سنتيم خلال شهر ونصف شهر

“الماصو والبلومبي والصباغ”.. مهن مطلوبة بأيادٍ مفقودة

الشروق أونلاين
  • 22975
  • 46
ح.م

تحول الظفر بـ”ماصو” أو “صباغ” أو “بلومبي” إلى عملة نادرة، فمن منا لم يسمع عبارة “أنا مشغول” وهو في رحلة بحثه عن أحد هؤلاء الحرفيين، هذا الأخير وفي حالة العثور عليه، يثقل كاهلك بمصاريفه التي لا تنتهي دون أن تتحصل على النتيجة المرجوة في الوقت المحدد، ناهيك عن تقاعسه وغيابه عن موقع العمل لأيام متتالية، متحججا بمبررات كثيرة يفتعلها كل يوم، فيما يكون في هذه الفترة منشغلا بالعمل عند آخر.

مع تزايد ظاهرة إقبال المواطنين على توسيع مساكنهم أو بناء أخرى جديدة، أصبح البحث عن حرفيين للعمل على إنشائها ضرورة ملحّة، إلا أن المقبل على البناء في بلادنا أصبح يفكر في إمكانية الحصول على “بنّاء” أو “دهان” أو “كهربائي”، قبل إعداد ميزانية كافية لشراء مواد البناء، بما أن “صاحبنا” منح لنفسه مكانة تضاهي مكانة نائب في البرلمان، حيث يستدعي لقاؤه ترتيب موعد مسبق وأجرة معتبرة، حتى يرضى عنك هذا العامل ويقبل بفكرة التنقل إلى بيتك لبنائه أو ترميمه، ولكن فرحتك بالظفر به لا تكتمل، إذ تبدأ سلسلة الغيابات، ناهيك عن التقاعس في العمل، حيث يستغرق أياما في بناء جدران غرفة واحدة بالنسبة للبناء، ونفس الشيء مع الدهان الذي يظل ساعات وهو يدهن جدارا، والنتيجة أن اللون ليس نفسه الذي طلبته، فيضطر لإعادته، وتجبر أنت على تمديد ساعات عمله، وبالتالي زيادة أجرة العامل

 

أجرة “ماصو” تضاهي أجرة “نائب بالبرلمان”

نسيم. ل” أراد أن يعيد تهيئة شقته، التي تحصل عليها في إطار الاستفادة من سكن تساهمي، فاستغرق الأمر وقتا كبيرا، فقد ظل يبحث عن بنّاء طيلة شهر ونصف شهر، وهي نفس المدة التي استغرقها هذا البنَّاء في عمله الذي كان يتعلق بإعادة “البلاط”، والرخام والأبواب والنوافذ، على الرغم من أنه تقاضى أجرة 40 مليون سنتيم خلال شهر ونصف شهر، وهي أجرة نائب في البرلمان حسب محدثنا، مع أنه لم يكن راضيا عن النتيجة التي حصل عليها في بيته، وهو نفس الموقف الذي تعرض إليه أثناء بحثه عن “كهربائي”، حيث قال لنا إن كل الأصدقاء والأقارب تجندوا معه من أجل إيجاد حرفي في “الكهرباء المعمارية”، وبعد عملية بحث مستمرة دله أحد أصدقائه على أحدهم.

أمينة” تحدثت عن “ماصو” أحضره والدها ليقوم بإعادة هيكلة الطابق العلوي لفيلا يملكونها تبعد عن مقر سكناهم، إلا أن “السي خونا” – على حد تعبيرها – كان يتحصل رفقة معاونه (الذي اشترط أن يرافقه طيلة فترة عمله عندهم)، كل أسبوع على مبلغ عشرة ملايين سنتيم، مضيفة أن همه الوحيد كان جني الأموال مهملا القيام بعمله على أكمل وجه، مؤكدة أن والدها كان يوفر لهما كل ما يحتاجان إليه من مأكل ومشرب، ناهيك عن الفراش المريح بما أنهما كانا يبيتان في نفس الفيلا التي يعملان فيها، وعلى الرغم من أنها تبعد عن مقر سكناهم بعشرات الكيلومترات، إلا أن والدها لا يكلّ ولا يمل في الذهاب والإياب إلى هناك حتى لا ينقصهما شيء، وحتى يطمئن على سير العمل، إلا أن ذلك لم يشفع له، إذ أنهما استغرقا مدة سنة كاملة لإتمام بعض الروتوشات التي كانت تنقص الطابق العلوي.

 

بنّاء يتقاسم عطلة الأمومة مع زوجته

أما “فريد.ح” فتحدث عن هذه الظاهرة بتذمر كبير مرفوقا بشيء من الاستخفاف بالقيمة الكبيرة التي أحاط بها بعض الحرفيين أنفسهم، حيث يقول إنه عرض العمل على أكثر من بنَّاء، لما قرر بناء مسكنه، وبما أنه كان مقبلا على الزواج، توجب عليه تسريع وتيرة العمل، إلا أن فترة بحثه عن “ماصو” أخذت معظم الوقت، يقول إن مسكنه شهد تعاقب عدد لابأس به من البنّائين بغرض إتمامه، حيث تجاوز العدد أربعة بنّائين، إلا أن كل واحد منهم كان يتحجج للغياب عن العمل يوميا، فالأول كان يقول إن أمه مريضة، وهو الوحيد الذي يتكفل بنقلها إلى المستشفى، والثاني يتحجج بأن بيته يحتاج إلى إصلاح وهو بصدد العمل فيه، أما الثالث فقد وجد في حمل زوجته ذريعة جيدة من أجل التأخر عن العمل لمدة أيام، وعند محاسبته يقول “فريد” أنه يبرر السبب بكون زوجته على وشك الولادة ولا يستطيع تركها بمفردها، مضيفا أنه كان متفهما لظروفه إلى أبعد الحدود، خاصة وأن زوجته كان لا يفصلها سوى أيام معدودات على الولادة، ويضيف محدثنا أنه فرح كثيرا لما أخبره البنَّاء بخبر ازدياد مولود له، لأنه حسب اعتقاده سيتفرغ لعمله، إلا أن البنَّاء ظل بجانب زوجته لمدة شهر كامل، وكلما يتصل به، يخبره أنه يعتني بزوجته، ما جعل “فريد” يقول له في حالة غضب: “أكمل عطلة الأمومة، ولا ترجع للعمل لديّ من فضلك.”

 

 … أصبح واحدا من أفراد العائلةّ

وفي قصة طريفة روتها لنا “سميرة” عن أحد البنّائين الذي أحضروه بغية ترميم مسكنهم القديم، حيث تقول إنهم وقعوا في أزمة ندرة العاملين الحرفيين على غرار جميع الجزائريين، فاضطروا إلى احضار واحد من منطقة المدية التي تبعد عن مقر سكناهم بعشرات الكيلومترات، وبما أنه استغرق في عمله مدة تسعة أشهر، تقول “سميرة” إنه صار واحدا من أفراد العائلة، حيث أصبح يجلس مع والدها وأخيها على طاولة الغذاء والعشاء في البيت، ويبيت في الطابق السفلي، إذ أنه كان يذهب إلى بيته في عطلة نهاية الأسبوع فقط، وقد بلغت شدة الألفة بينه وبين عائلتها إلى درجة أنه قدم في عيد الفطر المبارك إلى بيتهم، من أجل تهنئتهم بالمناسبة.   

مقالات ذات صلة