“الماك”… حان وقت الحساب
لم يتوحَّد الجزائريون بكل أطيافهم ومناطقهم حول نبذ الحركة الانفصالية الإرهابية مثل ما هم عليه اليوم، بعد اقترافها للجريمة الشنعاء في حق الشاب المغدور به، جمال بن إسماعيل، وليس مستبعدا أبدا أن تتكشّف الواقعة المأساوية عن تورط أفرادها في حرائق جرجرة، وفق ما لمّحت إليه بيانات الأجهزة الأمنية بالحديث عن “حقائق مذهلة” تقف وراء قتل الضحية، أو حتى التخطيط لإشعال “فوضى أهليّة” بين أبناء الوطن، بتقديم الفقيد قربانًا للفتنة الموءودة.
لقد جاء ردّ فعل الدولة حازمًا وفوريّا وفعالاً، وهو ما مكّن من الإطاحة حتى الآن بأغلب المشتبه بهم في جريمة القتل، بل المشاركين فيها علنًا، ما يبشّر بفك خيوط اللغز قريبًا، خاصة مع استرجاع المصالح المختصَّة لهاتف الضحية، الذي قد يشكِّل “العلبة السوداء” لما حدث من استعجال وإلحاح وحشي على التخلّص من الشاهد المفترض، لمحو آثار جريمة أخرى يراد التستّر عنها.
لكن ما ينبغي استكماله اليوم هو بسط السلطة العامّة للدولة على كامل تراب القطر الوطني في إطار قوانين الجمهورية، دون تمييز بين منطقة أو أخرى، ولأي سبب أو حسابات لم يعد لها مسوّغٌ في ظل التهديد المحدق بالاستقرار العام، لأنّ الصورة الهمجية للجريمة عكست بجلاء الطابع الإرهابي لوحوش متمرِّدة، تتصرف بدافع غريزي عنصري ساديّ، متحررٍ من كل وازع قانوني وأخلاقي، كأنّهم يعيشون في غابة بدائية يسود فيها منطق القوة الحيوانيّة، وهذا لا يصلح أن يكون من مظاهر العيش المدني في مجتمعات الدولة الحديثة.
لنكن صرحاء في مواجهة الحقيقة، وهي أنّ ما جرى ليس سوى تطور “طبيعي” لحالة من العبث بالأمن العامّ في الجزائر، أخذ يستفحل في المنطقة منذ سنوات، وازداد تغوّلاً بعد حراك 22 فيفري 2019، مُتخفيّا وراء شعارات ومطالب سياسية وهوياتية لم تعد تنطلي على أي لبيبٍ، بل ثبُت مرارًا أنها مجرّد شماعة لتنفيذ أجندات خاصّة، تجاوزت الرغبات الفئوية الضيقة إلى المناولة الوظيفية لصالح مخططات عدائية تجاه الجزائر برعاية صهيونية وفرنسية ومخزنيّة، لا تحتاج إلى إثبات جنائي من أي طرف، طالما أنّ نتائجها البيّنة تصبّ في وعاء باريس وتل أبيب وقصر الرباط.
إنّ سطوة الخارجين عن القانون في منطقة كاملة من جغرافيا الدولة الجزائرية لم تعد سرّا خفيّا، بعد ما تجرّأوا على رشق أعوان الأمن في أكثر من مناسبة، بل التعدي الصارخ على أجهزته في وضح النهار، ومنعهم للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والاستفتاء الدستوري بالعنف والقوة ضد المواطنين، والتغاضي عن محاضرة رأس الخيانة، فرحات مهني، في جامعةٍ وطنية رسمية، كأنّ المسألة تخصُّ حرية التعبير، ناهيك عن التحدّي السافر في فرض رايات الانفصال في الفضاء العامّ وإدخالها إلى مؤسسات الدولة.
كل تلك السلوكيات لم تكن في الحقيقة سوى تجليّات لفكر منحرف، تغذّيه عنصرية عرقيّة استعلائية، قائمة على خطاب الأنا الإقصائي، الذي لا يزال يردّد بحقد وسذاجة وجهالة وعمالة مقولاتٍ مزيفة ومتهافتة عن سكان أصليين وآخرين وافدين، وعن أهل أرض ومُستعمِرين، وعن مواطنين متحضّرين تحرريّين، كأنّ غيرَهم سِمتُه التخلّف والعبودية.
إنّ هذا الفكر العرقي تدفع به دوائر صهيونية نحو الشعوبيّة المقيتة، لربطه بعصور ما قبل الإسلام، عبر تخليد الأساطير البائدة ونصْب التماثيل في كلّ مكان، بعنوان إحياء التراث الأمازيغي، لكن الهدف البعيد هو إحداث الشرخ الهوياتي المجتمعي، استكمالاً لمخطط استعماري فرنسي قديم، وتمهيدا لتقسيم طائفي ضمن مشروع سايكس بيكو جديد في المنطقة، وفق رؤية لويس برنارد لتفتيت العالم الإسلامي.
إنّ هذا التشخيص يُوجِب مقاربة متكاملة في استئصال وجود “الماك” من الجزائر واجتثاث أسُسه على المستويين الميداني والفكري، ولن يتحقق الأول إلا عبر فرض هيبة الدولة كاملة غير منقوصة، حيث لا أسياد ولا عبيد فوق هذه الأرض، بل كلنا مواطنون سواسية أمام القانون، ولا يوجد أيُّ فردٍ في أي منطقة بمنأى عن الخضوع للقضاء العادل.
لقد جرّمت الدولة النشاط في إطار “الماك” بأي شكل من الأشكال، بوصفه تنظيمًا إرهابيّا، وليس حركة سياسية ولا ثقافية كما يزعم الانفصاليّون ومؤيدوهم المستتِرون، كما حظرت خطابَ الكراهيّة، والمطلوب الآن هو إنفاذ القانون بالقسطاس على الجميع.
أما على الصعيد الفكري، فهي مهمة كل المؤسسات النخبوية، من سياسيين وجمْعويين وجامعيين ودعاة ومثقفين وكتّاب وأدباء وإعلاميين وغيرهم، وفي مقررات المدارس والجامعات والمساجد والقنوات، لمحاصرة الفكرة العنصريّة العرقيّة، ونبذها في كل الأوساط المجتمعيّة، والكفّ عن استخدامها بمنطق ميكيافيلي قناعًا لمعارضة السلطة أو الاستقواء بها ضد الخصوم، مقابل إشاعة قيم التسامح والتعايش والمواطنة والوحدة الوطنية.
لا مكان بعد اليوم للساكتين والمنتفعين والمتردِّدين والمبرِّرين، فكلهم شياطين خُرْسٌ، لأنّ وحدة الجزائر التي امتزجت لأجلها وفوقها دماؤُنا جميعا، لا تقبل القسمة ولا الحياد أمام عدوّ مُبينٍ.