-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المبادرة العربية في الميزان

المبادرة العربية في الميزان

اخترتُ أن أتكلم عن المبادرة العربية للسلام الصادرة عن القمة العربية ببيروت سنة 2002، وفحوى هذه المبادرة هو قبول الكيان الصهيوني بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة سنة 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ومقابل هذا القبول تعترف الدول العربية جميعا بدولة الكيان الصهيوني وتقيم معه علاقات شاملة.
واعتبر العربُ أنّ هذه المبادرة تشكل اختراقا مهما لحل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي وإنهائه بشكل كامل وإحلال السلام -في نظرهم- في المنطقة.
كما اعتقد العربُ أنّ مبادرتهم هذه تُقنع الغرب عموما وعلى رأسهم الولايات المتحدة ومن خلالهم المجتمع الدولي بأن لا حُجّة للكيان الصهيوني في استمرار احتلاله وعدوانه.
مرّ على هذه المبادرة اليوم واحد وعشرون سنة من دون أيّ نتيجة تُذكر. ومنذ البداية اعتبر الكيان الصهيوني هذه المبادرة “لا حدث”، كما لزم من يحميه في المجتمع الدولي صمتَ القبور من دون إعطاء أي اعتبار للتسويق العربي لمبادرتهم في كل المحافل الدولية.
اخترتُ إذا أن أتعرض لهذه المبادرة من خلال تجربتي سفيرا للجامعة العربية لدى الاتحاد الأوروبي مدةً قاربت سبع سنوات، عايشتُ خلالها الاستخفاف الغربي بهذه المبادرة واجترار العرب لها، وهي بذلك لا تبرهن فقط على خورها ولكنها تخدم الاحتلال في الاستفادة من التماطل وربح الوقت للانقضاض على ما بقي من الأرض، وفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني بالتضييق والتنكيل، والقتل والتهجير والإبادة ليقابلهم الجانبُ العربي بمزيد من الشكوى المُفضية إلى الاعتراف المجاني بالاحتلال وتزكية عدوانه.
ورغم كل ذلك مازال بعض العرب يَلُوك موافقته وتسويقه للمبادرة في محفل الأمم المتحدة سنويًّا وهو يعلم يقينا ألّا جدوى لما يقوله.
إذن كيف يمكن أن نُقيِّم أو نفهم هذا التكرار المُمِلّ للمبادرة وإبقاءَها فوق الطاولة رغم الرفض الصريح من المحتل الصهيوني والرفض الضمني لكل من يحميه أو يتجنب الصدام معه في المجتمع الدولي؟
وأكاد أجزم من خلال ما عايشتُه مع السّاسة الغربيين أنّ قناعتهم متجذِّرة بأنّ المبادرة العربية وُلِدت ميتة لأنّ أصحاب الشأن من العرب ليسوا على قلب رجل واحد، ومن ثَمَّ فإنّ تمسّكهم بالمبادرة هو أقرب إلى إقامة الحُجَّة وتبرِئة الذّمة منه إلى المقاومة من أجل استرداد الحق ومواجهة المعتدي.
وقد أثبتت الأيام، كما أكّد الواقع المعيش والتعيس أنّ الغرب ذا التاريخ الاستعماري والمُنافح عن الصهاينة والمُزكي عمليا لاعتداءاتهم لا يثق في الخطاب العربي، بل ويُزكّي كل اعتداءات الصهاينة تحت ذريعة حقهم في الدفاع عن أنفسهم، وهم يُردّدون هذه العبارة بلا حياء بل وبكل صفاقة في كل مناسبة يعتدي فيها الصهاينة على الفلسطينيين والعرب بالقتل والحرق والإبادة وقضم الأرض وهدم المنازل.
والسؤال الذي يجب أن نجيب عنه نحن العرب الذين تحترق قلوبهم من هذا العدوان المتكرر، ويقضّ مضاجعهم هذا الهوانُ العفن عند صنّاع القرار العربي:
– كيف يمكن أن يصدّق المجتمعُ الدولي جدّية العرب في مبادرتهم وهم لم يزيدوا عن ذكرها وتكرارها، من دون التمكين لها بوسائل عملية: اقتصادية وسياسية وأمنية وثقافية؟
– كيف يمكن لأيّ عاقل أن يقتنع بالمبادرة العربية التي لم يلتزم بها العرب أنفسُهم؛ إذ ذهب كثيرٌ منهم إلى نسج علاقات مع الكيان الصهيوني سرا وعلنا رغم الرفض الصريح من طرف العدوِّ للمبادرة؟
– كيف يمكن أن يقبل حرٌّ هذه المبادرة التي تُشرعن الاحتلال الذي قاومه آلاف الشهداء، والذين ذهب دمهم هدرا وغدرا بهذه المبادرة التي قتلتهم مرة أخرى وهم في قبورهم؟
-هل يُصدّق عاقلٌ أنّ من يُنسِّق أمنيا مع المعتدي ليكشف له عن المقاومين وهوياتهم، ثم يعمل على اعتقالهم وسجنهم، ويمهِّد الطريق لخنقهم وتجريمهم ووصفهم بـ”الإرهاب”، هل يصدِّق عاقلٌ أنّ هؤلاء يمثلون الشعب الفلسطيني وتاريخ مقاومته وحماية أرضه وحقوقه ومقدّساته؟
– أيُعقل أن يُطالِب من يمثّل الفلسطينيين سلطويا بالاقتناع بالمبادرة العربية للسلام رغم أنّ ما قدّمه للاحتلال من اعتراف وإنكار للجهاد المسلح وملاحقة للمقاومين واحتكار صرف المساعدات المالية على أنفسهم وأهاليهم، أيُعقل أن يكون هذا وفيّا وأمينا على حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والحياة؟
لقد عايشتُ بنفسي حالات مخجلة لممثلين للسلطة الفلسطينية وهم يقومون بزيارات لشرح قضيتهم وحقوق شعبهم في الجلسات الرسمية، غير أنّهم في الأروقة وفي لقاءاتهم الفردية يطلبون امتيازات دراسية لأبنائهم وبناتهم.
عشتُ طفولتي أيام ثورتنا المباركة، وعرفتُ سِمات ومواصفات المقاوم والمقاومين، يلبسون كما يلبس أبناء شعبهم المقهور، ويأكلون الكسرة باللبن أو القهوة، يقيمون الصلاة ويطلبون دعوات الصالحين لهم بالنصر أو الاستشهاد، وقد ودّعُوا الدنيا ومتاعها وطلبوا النصر فنالوه.
هذه المواصفات لم أر لها أثرا في من عايشتُ من ممثلي المنافحين عن المبادرة العربية الميّتة.
وما نيل المطالب بالتّمني… ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا
إنّه لا نصر إلّا بالصدق ونكران الذات وطلب الشهادة، فاطلب الموت توهب لك الحياة.
وما لم تكن هذه القناعة لدى ممثلي الشعب الفلسطيني فلا معنى للمبادرة العربية للسلام كما لا معنى للتّمسك المُذلِّ بها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!