الرأي

“المتجر الربيح…”

أهدِي إليَّ في معرض الكتاب لهذا العام مجموعةٌ من الكتب شعرا ونثرا، بعضها من أصحاب دور النشر، وبعضها من الكتّاب أنفسهم، فشكرا جزيلا لهؤلاء وهؤلاء، وأدعو للجميع بالمتجر الربيح، والمزيد من المسعى الرجيح والخُلق السميح.

ومما أهدي إليّ كتابٌ ليس كأحدٍ من الكتب، فالكتب كالناس، منها الصالح ومنها الطالح، وعنوان هذا الكتاب هو: “المتجر الربيح والمسعى الرجيح والمرحب الفسيح والخُلق السميح في شرح الجامع الصحيح”.

موضوعُ هذا الكتاب ذي العنوان الطويل هو شرح كتاب “صحيح البخاري”، وهو أصحُّ كتابٍ بعد “كتاب الكتب”، وهو الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، ولا يأتيه الباطلُ، ولا تنقضي عجائبُه.

وهذا الكتاب يقع في ثمانية مجلّدات، وقد بذل ناشراه: دار المحسن، وابن حزم، ما بذلاه من جهد ومالٍ، فخرج في أحسن ما يكون. ويتميّز هذا الكتاب بثلاثة أمور هي:

1- موضوعه، وهو كما أسلفتُ شرح صحيح البخاري، الذي تتشرّف الجزائر بأنّ أحد أبنائها وهو الإمام أحمد بن نصر الداودي المسيلي (ت 402 هـ) هو أوّلُ من وضع شرحا على هذا الكتاب حسَبَ بعض العلماء في هذا العلم. (أنظر: عبد الرحمان الجيلالي. تاريخ الجزائر العامّ. ج 1. ص 354. دار الأمة) والداودي قبرُه مشهورٌ إلى الآن في تلمسان.

2- مؤلفه، وهو الإمام ابن مرزوق الحفيد التلمساني (ت 842هـ) الذي دانت له عقول ذوي العقول، لما أتاه الله من بسطة في العلم، وعمق في الفهم، وإحسان في الخلق، وهو بتراثه الضخم حجةٌ على من يبخل على الجزائريين ويبخسهم أشياءهم، فهم بشرٌ من خلق الله، وهو يعطي هؤلاء وهؤلاء.. مع أنّ “طينة الجزائري طينةُ علم وذكاء”، كما يقول الإمام عبد الحميد ابن باديس.

3- محقِّقةُ الكتاب، وهي الأستاذة الدكتورة حفيظة بلميهوب، حفظها الله، فقد بذلت جهدا ينوء به أولو العزم من الرجال، وقد تفضّلت وأهدت لي نسخة من كتابها القيّم، فلها جزيلُ الشكر، خاصة أنها آثرتني على من تعرف من العلماء والعالمات بكتابة ما سمّته “تقديمًا” لكتابها القيّم، وما أنا من أهل الذِّكر في هذا الميدان، ولكن حسنَ ظنِّها، وسموَّ أخلاقها، وطيبَ أصلها، هو ما دفعها إلى ذلك.

والدكتورة حفيظة مثالٌ في الحزم والعزم، فهي ربّةُ بيت، وأمُّ أولاد، وأستاذةٌ في الجامعة، وهذه الأمور كلها مما يأكل الأوقات أكلا لمًّا، ولكنها وُفّقت لإعطاء كل ذي حقّ حقّه، وهي حجّةٌ على “القواعد” من الذكران والنسوان الذين يلفّهم النسيان قبل أن يُدرجوا في الأكفان، ويحاولوا أن يئدوا المرأة المسلمة، ويمنعوها من أداء واجبها في طلب العلم ونشره.

شكرا للأستاذة الفاضلة، وشكرا للدكتور ليامين أمكراز الجزائري الذي أشرف على إخراج هذا السفر الجليل، وعلى إهدائه لي كتاب “أخبار الخلفاء” للصولي الذي حققه ونشره.

مقالات ذات صلة