الرأي
الحلقة 31 (الأخيرة)

المثقفون.. والرقصة الإسبانية

عمر أزراج
  • 1220
  • 0

في هذه الحلقة الأخيرة من هذه المذكرات التي رصدت فيها جزءا يسيرا من مسار حياتي ببريطانيا على مدى 25 سنة، أريد أن أتحدث باختصار شديد عن الحوار الخصب الذي دار ولا يزال يدور حتى الآن حول مفهوم و دور المثقفين، وهو الحوار الذي عاينته طوال هذه المدة الطويلة سواء في قراءاتي لما كان يُنشر في الكتب والصحف والمجلات أو على صعيد الممارسة والمناقشات اليومية في الندوات والحلقات الدراسية في المراكز الفكرية وفي الجامعات، وفي منتديات فرق التفكير.

إن أهم مشكلة دار حولها الحوار هي مشكلة موقع المثقفين في المجتمع، وكذلك موقفهم من السلطة سواء كانت سلطة سياسية، أيديولوجية، أو سلطة مؤسسات، أو سلطة اجتماعية، أو اقتصادية، أو أخلاقية، أو سلطة القيم ككل.

 في هذا السياق أبدأ بملاحظة إدوارد سعيد المهمة والمتعلقة بواقع المثقف الجزائري بعد الاستقلال التي سجلها وهو يتحدث عن المفكر المارتينيكي الأصل، والفرنسي الجنسية، والهوية النضالية الجزائرية. بهذا الخصوص يقول الناقد البارز إدوارد سعيد في معرض تحليله لأزمة مثقفي السلطة في الجزائر، مثلا، وذلك خلال حديثه عما كان سيؤول إليه موقف المفكر فرانز فانون، الذي ارتبط بحركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، من النظام الجزائري لو لم يحصده الموت قبل حصول الجزائر على استقلالها. وبهذا الصدد يقول إدوارد سعيد: “لديّ إحساس أن فانون لو عايش السنوات الأولى للدولة الجزائرية لكان موقفه سيبدو شديد التعقيد، ولا أظن أنه سيبقى هناك. ربما كان سيغادر إلى مكان آخر، فما حدث للكثيرين من مناضلي جبهة التحرير الوطني الجزائرية أنهم أصبحوا موظفين في جهاز الدولة الذي لم تطلع منه، بعامة، طبقة من المثقفين تحافظ على مسافة نقدية من الدولة. من بين الأمور المقلقة بالنسبة للتضامن هي أنك قد تصبح سجين خطابك عن التضامن والسهولة التي تنزلق فيها ضمن خطاب السلطة“.

 وفي هذا السياق بالذات أيضا، يبرز إدوارد سعيد مأساة فريق من مثقفي الجزائر الذين تحوّلوا إلى موظفين حارسين لأجهزة السلطة وبذلك فقدوا استقلاليتهم، وضاع صوتهم، وطمسوا مهمتهم النقدية ثم أصبحوا مجرد ديكور براق وهشّ لا معنى له: “جاء فانون من طبقة مناضلين أصبحوا فيما بعد منفذين لسلطة الدولة وأدوات بيدها“. إن هذه الملاحظة المهمة لإدوارد سعيد تقودنا إلى السجال الذي عايشته في بريطانيا حول مفهوم وموقف المثقفين في المجتمع. لاشك أن مفهوم المثقف يتميز بالتعقيد والمراوغة لأن هذا المفهوم يختلف من مجتمع إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، وأنه جراء هذا يمكن لنا أن نلاحظ بسهولة كثرة الضباب الذي يغلف هذا المفهوم بسبب عدم التحديد النهائي له.

في فترة التسعينيات من القرن العشرين كان السجال الذي رصدته وتابعت تفاصيله في بريطانيا، والذي انخرط فيه المفكرون والنقاد والمنظّرون السياسيون، قد انصبّ على الجانب النظري وعلى الممارسة معا انطلاقا من التعريفات التي حاولت تحديد ماهية المثقفين على أساس أنهمأولئك الناس الذين يمنحون للمجموعة الاجتماعية التجانس والوعي بوظيفتها، وهؤلاء هم المعلمون المربون، والمنظمون، وقادة الفكر، وقفا للمفكر أنطونيو غرامشي الذي دارت حول كتاباته في ذلك الوقت سجالات ساخنة باعتباره أحد كبار منظري الثقافة في القرن العشرين من جهة ولأنه دفع ثمنا غاليا وقضى عشرين عاما في السجن بسبب أفكاره ونضاله من أجل تجسيدها في حياة الشعب الإيطاليالأوروبي.

في هذا السجال الذي أتحدث عنه وأصف بعض قسماته، وقع التمييز بين ما يسمى بالمثقفين العضويين، وبين المثقفين التقليديين حيث عرّف النمط الأول هكذا: “إن المثقفين العضويين هم أولئك الذين يبرزون من المجموعة الاجتماعية نفسها: مثل العمال الذين يصبحون نشطاء سياسيين، ويكرسون أنفسهملإعطاء المجموعة الاجتماعية العمالية التجانسفي الموقف السياسي، والوعي الفكري والثقافي، ووحدة النضال ضد الاستغلال الرأسمالي حسب هذا المفكر البارز. أما نمط المثقفين التقليديينفهم أولئك الذين تبقوا من التشكيلات الاجتماعية السابقة والذين يمكن أن يربطوا أنفسهم بهذه الطبقة الأساسية أو بتلك الطبقة الأساسية الأخرى: مثل رجال الدين الذين يمكن أن تكون لهم وظيفة ثورية أو محافظة حسب انتماءاتهم الطبقيةكما يقول أيضا.

في خضم هذا النقاش، طُرحت أسئلة مثل سؤال هذا المفكر نفسه وهو كالتالي: “هل المثقفون هم مجموعة مستقلة؟ أم أن لكل مجموعة اجتماعية فئتها من المثقفين؟ وفي الوقت نفسه طُرح هذا السؤال الحاسم: هل يتمثل دور المثقفين في إنتاج أي نمط من الثقافة، والفكر، والفن، وتشكيل الوعي فقط بغض النظر عن محتوى ورسالة هذا الإنتاج، ونوعية الوعي؟ أم أن دورهم يجب أن يشمل حتما غربلة هذا الإنتاج ومختلف أشكال ومضامين الوعي برمّتها، فضلا عن الكشف التحليلي النقدي للأبنية الثقافية اللاواعية التي لا تدرك بسهولة رغم أنها تلعب دورا حاسما في بناء السلوك والمواقف والانتماءات لدى الناس. وبهذا الشأن ينبغي الإقرار بأن دور المثقفين هو في الجوهر مساءلة، وتحليل، وتعرية، ونقد تناقضات المصالح الاجتماعية والسياسية التي تختفي حينا وتظهر حينا آخر في مضامين وأشكال تعبير هذا الانتاج.

لاشك أن مثل هذه الأسئلة المطروحة تنطلق أساسا من وجهة النظر القائلة بأن أي إنتاج ثقافي، أو فكري أو فني ليس محايدا بل هو مرتبط بالتاريخ، أي بالبنيات الاجتماعية والسياسية والايديولوجية التي توظف هذا الإنتاج فئة أو طبقة اجتماعية وسياسية معينة لتحقيق الهيمنة والانفراد بالقيادة، أو لكي تبرر وتسوَغ سيطرة هذه الطبقة أو تلك الشريحة أو التشكيلة الاجتماعية على المشهد الاجتماعي والسياسي والمادي. إلى جانب هذا فإن تلك المناقشات قد عالجت مسألة محورية، طرحها عدد كبير من المفكرين بقوة منهم المفكر الفرنسي لوي ألتوسير، وهي دور الايدولوجيا في تشكيل الرأسمال الثقافي، وتوجيهه، وفي بناء الذوات والهويات على نحو موارب.

 

لاشك أنّ كل هذه القضايا الكبرى التي لم أشر سوى إلى شذرات ورؤوس أقلام منها، وهي تحتاج حقا إلى الدرس التفصيلي، والتحليل العميق، وإلى سحبها إلى النقاش الفكري لإدراك وفهم وتغيير أبنية ومضامين ومؤسسات الثقافة الوطنية في مجتمعنا الجزائري الذي لم يشهد في تقديري أي سجال فكري ناضج وحضاري لتحليل العلاقة المتبادلة بين التخلف الثقافي والتخلف السياسي والاقتصادي وصلة كل ذلك بأزمة القيم التي تهدد مجتمعنا وتفرض عليه أسلوب التنمية على أسلوب الرقصة الاسبانية: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء“.

مقالات ذات صلة