-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صاحب رواية "الحركي" محمد بن جبار لـ"الشروق":

المجاهدون والسياسيون ليسوا أنبياء والأدب لا يعترف بالطابوهات

الشروق أونلاين
  • 1933
  • 0
المجاهدون والسياسيون ليسوا أنبياء والأدب لا يعترف بالطابوهات
ح م

يفتح محمد بن جبار في روايته الجديدة “الحركى” طابو من طابوهات الثورة الجزائرية بالحديث عن “خونة الثورة” أو ما يعرف بالحركى: يخوض بن جبار في الجوانب الإنسانية للموضوع ويتبطن الذاكرة بكل حمولاتها السياسية والعاطفية والثقافية. حيث يقدم بن جبار في ثاني عمل روائي له نظرة “جزائرية” لموضوع ما زال يرهق الذاكرة ويلقي بظلاله على العلاقات بين الجزائر وفرنسا.

 

تركز رواية “الحركي” على الجانب النفسي والإنساني لحياة الخونة.. أليس هذا تجميلا وتعاطفا  مع هذه الفئة؟

في بدايـة النص وتحديدا في “رسـالـة دانكيرك” يريد الحركي التخلص من بقايا جزائريته فالحركي بن شارف لا يريد الشفقـة من أحـد أو التفاتة عطف من أحـد، اتخذ ذات يوم موقفا ـ بوعي أو من دون وعـي وانتهـى الأمـر، لكن الهزيمـة وعودة الضمير وجحيم الذكرى لم تتركه في سـلام، إضافـة إلى المرض الذي بدأ يهدده ويقض مضجعـه فقـد كتب مذكراته لأسباب علاجيـة بحتة ومن خلال هذه المذكرات تشتعل فيه “جزائريته”. فمشكلته كيفيـة التخلص من جزائريته بعد خيانـة وطنه وشعبـه، المذكرات ترتكز بشكل أساسي على البوح، على المشاعر والعواطف المحتبسـة لأكثر من خمسيـن سنـة. هذا من جهـة، من جهـة أخرى دواعٍ إنسانيـة وتاريخيـة وحقوقيـة لرصد التاريخ النفسي لسوء السمعـة أو ما يسمـى “الخيانـة”، ثنائيـة الشرف والخيانـة ترافق الإنسـان عبر الأزمنـة والتاريخ وحتى في نشاطه اليومي والحياتي، فلا يمكـن الكتابـة عن الجانب البطولي أو المشرف فقط إنما أيضا الكتابـة عن الجانب المنحط من الإنسان. فالأدب لا يعترف بالحدود والتابوهـات والتصنيفات، الأدب يعالج الحالات الإنسانيـة من دون استثناء لوضعية أو موقف.

 

تقدم في الكتاب حالة أحمد بن شارف الذي يلتحق بالحركى هربا من ثأر عائلي شخصي وحالة بوعمران ولد عايشة الذي يصبح بطلا ثوريا بعد أن التحق بالجبال هروبا أيضا من ثأر عائلي، أليس هذا تتفيها لجانب الوعي بالفعل الثوري والوطني؟

كتب بن شارف الحركي أن موقفـه هو موقف فردي صرف لا علاقـة لـه بأي موقف ثوري أو تاريخي كان ممكنا أن يكون هو نفسـه بوعمران لـو توفرت بعض الشروط وينضم إلى مجاهدي الثورة، لا أحد يستطيع التنبؤ بالمآل الذي يكون عليه الشخص، هناك ظروف قاهرة تجعـل الشخص يتصرف ويسلك سلوكا ما في اتجاه ما أو نقيضـه، نحن نتحدث عن الإنسان العادي في بيئته التقليديـة الريفيـة أمـا الوعـي الثوري لم يخص سوى فئـة قليلـة جدا من الذين تتلمذوا وتخرجوا وناضلوا ضمـن الحركـة الوطنيـة، فهـم يعدون بالأصابـع ضمـن مجتمع أغلبيته أمية، فالتحميل بالوعي الثوري لحملـة السلاح ضد الاستدمـار يعتبر أمرا غير مضبوط، هنـاك نخبـة صغيرة جدا في المدن الكبرى من ذوي التكوين اليساري والشيوعـي من كانوا يحملون وعيا سياسيا ويتصرفون وفق وعيهم وثقافتهم أما الباقي فهو مجرد رد فعـل لظلـم وقـع عليهم أو أنهم جنّدوا لسبب من الأسباب. كما نشير أن هناك في سنوات الجفاف والعسرة لم يجد “الجزائريون” سـوى طلب توظيف في المصالح الفرنسية للجيش وخاصـة SAS لأنهم في حاجة ماسة إلى مصدر رزق يعيل أسرهم، بعيدا عن أي موقف ثوري أو سياسي.

 

“لولا جمعية العلماء لكنت جاهلا مثلكم، أصدق الخزعبلات والخرافات والجزائر الجزائرية”، هذه العبارة تعيد طرح موقف بعض الأحزاب والجمعيات بما فيها جمعية العلماء من الثورة، هل استندت إلى مصادر تاريخية وأنت تطلق هذه الأحكام؟

إلى وقت قريب جدا من الاستقلال هنـاك جمعيـات وأحزاب لم تؤمـن يومـا “بالجزائر الجزائريـة” كان موقفهـا واضحا من الثورة الجزائريـة بالدعـوة إلى الاندمــاج تارة وباستصدار قانون خاص للأهـالي وتعايش الأطراف communautés الإسلامية-المسيحيـة- اليهودية.. إلخ، قدمت هذه “القوى السيـاسيـة” خدماتها للمستعمـر وسخرت نفسهـا لـه لإجهاض الثورة بكل الطرق ولكـن لحسن الحظ أن ماء النهر كان جارفـا وبالتـالي لم تتمكن من إيقاف مسار الثورة ولكن التاريخ يحفظ مواقفهم كأحزاب وجمعيات مؤثرة رافقت الاستدمار لفترات زمنيـة طويلة رغـم أن بعض مناضليها انضموا إلى الثورة – بعيدا عن كل تعميم -.

 

الرواية تعيد طرح قضية مجاهدي ربع الساعة  الأخيرة والبحث عن الشرف، هل تدعو إلى نزع لباس القداسة عن الثورة؟

كثير  من الحركـى والمجندين لدى الجيش الفرنسي بعدما رأوا أن لا سبيل لخلاصهم من القصاص فروا من الثكنات الفرنسيـة وانضموا إلى الثورة، لا أحد يدري لماذا ؟ هل هي عودة الوعـي واستعادة الشرف أم هي انتهازية لأنهم وقفوا على حالـة الانسداد التي وُجد عليها الاستدمار الفرنسي قبيل الاستقلال. لا أحد يعلم تحديدا. فالسلوكات الشخصية والظرفيات السياسية والميدانيـة تتأثر بالواقع التاريخي آنذاك، لا يمكن معرفـة نوايا الأشخاص، هنــاك من لم يحمل السلاح أبدا ولم يكن له موقف مضاد للمستعمر ولكنه تبوأ فيما بعد مناصب مسؤوليـة هامة جدا في جزائر الاستقلال.

 

“الجبهة وفرنسا يتصارعان خارج مجال وعينا ومجال إرادتنا “ص 74 من الرواية “هل تعتقد أن الثورة لم تكن فعلا تعني الشعب؟

الثورة الجزائرية مثل كل الثورات التي ثارت على الظلم وناهضت الاستعمار هو مسار تاريخي لشعب أراد التحرّر وتقرير مصيره، القداسـة فعل سياسي لتغطيـة بعض الجوانب السلبية في الثورة حتى يمكن تجنب الانتقــاد الموجه لبعض الشخصيـات السلطوية الفاعلـة، أخطاء كبيرة اقترفت أثناء الثورة وبعدها وباسم الثورة أيضا، فالقداسـة هي شكل من أشكال المنـع أو “حفظ الملف” من دون نقاشات أو نظر لبعض الجزيئـات المهمة في التطور الثوري. مهما كان الأمر، فإن المجاهدين والسياسيين هم شخصيـات لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، بإيجابياتهم وسلبياتهم.

 

وردت الجملة التالية “زواج المجاهدين أشبه بزواج المتعة” ألا تخشى أن تثار ضدك حملة بتهمة إهانة رموز الثورة؟

أغلبيـة المجتمع كان أميّا، الثورة في بدايتهـا كانت دعـوة نخبويـة، كانت خارج مجال الوعي الشعبي  بل أكثر من ذلـك يعتبرونهـا واقعـا حتميا لا مناص منه، أكثر المطالب التي كانت لدى بعض الأوساط هـي من قبيل “تحسيـن ظروف العبوديــة”، لكـن الثورة نجحت عندما احتضنها الشعب وفهـم محتواها ومراميها وأهدافها ومثلها العليا، أما الأغلبيـة لم يكن يهمها الأمـر إما بسبب تعايشهـا مع المستعمر أو لأجل مصالحها.

من الطبيعي أن يتحدث “حركي” بهذه اللهجة فنظرته غير نظرة “المجاهد” أو نظرة “المسلمين”، فهي نظرة كولونيالية يشوبها الخوف واحتقار الآخر بل ومحاولة تتفيه الآخر وإلغائه بكل الطرق والوسائل، حتى وإن تزوج المجاهد فهـو بهذا الزواج لا يريد بـه الاستقرار لأن ظروفه والواقع الميداني يفترض عليـه الهروب والحرب والغياب المطوّل بين الجبال والغابات، أعرف من عائلتي من ترك زوجته بعد ليلـة أو ليلتين من زفافــه، هناك من عاد وهنــاك من استشهــد.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!