المجتمع السعودي صراع وأجيال !! (2)
مرحلة التفاعل وهي المرحلة التي بدأ السعوديون يتفاعلون فيها مع غيرهم من المجتمعات، وتمتد هذه المرحلة من 1953 إلى 1975، في عهدي الملكين عبد العزيز وابنه فيضل، وتعد هذه المرحلة من أخصب المراحل للمجتمع السعودي التي احتك فيها بالعالم وانفتح عليه، إذ لم يكن له اتصال ثقافي وعلمي بسائر العالم قبل هذه المرحلة، لأنه كان فيما يبدو في طور الانطواء والانغلاق على الذات، ولا ندري ما تبرير ذلك بالضبط، أو الخوف من هجمة الغزو الفكري التي اجتاحت المجتمعات الإسلامية؟ أم هو طور التأسيس بما يفرض من قيم الانكفاء ليستقيم البناء بعيدا عن المؤثرات الخارجية؟
وهذا الانفتاح فرضته الهجرة الإسلامية إلى البقاع المقدسة، ففي هذه المرحلة كانت الثورات والصراعات الأيديولوجية يعج بها العالم والتطرف اليساري والصراع على السلطة بين النخب يملأ الدنيا، كالثورة الجزائرية، الصراع بين الإخوان وعبد الناصر، والتيارات الإسلامية وحزب البعث في العراق وسوريا، والضغط الشيوعي في أوروبا الشرقية: ألبانيا ويوغلافيا وتشيكسلوفاكيا والجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي والمسلمون المهجرون من الهند والفليبين والصين…، كل هذه المناطق كانت لها هجرات إلى السعودية لأسباب دينية، سواء لاعتقادهم بأنها أرض الحرمين تمثل الملجأ الأفضل، أو لكونها المكان الأفضل للتعريف بقضاياهم؛ لأن القادمين من تلك الجهات في الأغلب هو مسلمون أصحاب قضايا سياسية يريدون التعريف بقضاياهم، أو هاربون من بطش حكامهم بحثا عن الأمن، ومهما يكن المبرر، فإن السلطة السعودية في هذه المرحلة كانت داعمة لقضايا العالم الإسلامي، ومناصرة للدعاة وقيادات الحركة الإسلامية، ربما كان ذلك بضغط أو بإيعاز وتشجيع من السلطة الدينية؛ لأن هناك أمور أخرى ذات طابع سياسي لم تكن في هذا المستوى الإيجابي والتناغم مع تلك المواقف الإنسانية الفاضلة.
لقد كان من بين هؤلاء المهجرين الذين استقبلهم المجتمع السعودي، أساتذة جامعيون وإداريون وإطارات في مؤسسات اقتصادية وشركات عملاقة، اندمجوا في المجتمع السعودي، ومنهم من حصل على “التبعية” التي تشبه الجنسية، وهم في أغلبهم قد تأثروا بالقالب الثقافي السعودي، والقليل منهم من سلم، ولكنهم قبل أن يتأثروا قد وجدوا فراغا فكريا في المنطقة، وبما أنهم كانوا يحملون قضايا ومواقف من مسائل فكرية أيديولوجية، فقد كان لهم تأثير في الكثير من شباب الحركة الإسلامية السعودية، الذين لم يعد يشبع ظمأهم خطاب المؤسسة الدينية الرسمية ومنهج آل الشيخ.
ولقد كان التفاعل بين المجتمع السعودي مع هذه النخب القادمة في هذه الفترة سريعا، خاصة بالنسبة للنخب القادمة من العالم العربي –الجزائر، سوريا، مصر، العراق- الذين يحملون معهم تجربة إصلاحية ثرية تختلف عن تجربة آل الشيخ، ومنهم على وجه الخصوص قيادات الإخوان الذين احتضنتهم السعودية في هذه المرحلة بقوة، والمجتمع السعودي في فترة الانغلاق التي أشرنا إليها، لم يكونوا يسمعون إلا صوتا واحدا تقليديا لا يوقظ نائما ولا يشغل منتبها، إلا في مجال واحد وهو مسألة التوحيد بالصيغة التقليدية، خطاب يفترض نفسه في مجتمع إسلامي، ونظام إسلامي قائم، لا يحتاج إلا إلى القليل من التصويبات والإصلاحات، مما يُفَضَّل الصبر عليه وعلى عيوبه، خوفا من الدخول في الفتنة والاضطرابات الشعبية.
وهذا التبرير فيه شيء من الحق بسبب التوافق الذي تميز بع المجتمع السعودي عن غيره من بلاد العالم، ولكن حركية السياسة في تطورها كانت أسرع بكثير من حركة الدعوة التي يقودها العلماء، ولذلك بلغت السعودية في تنميتها الاقتصادية في بعض مراحلها مستوى الاكتفاء الذاتي في إنتاج القمح، ولكن منهجية علمائها لم تتجاوز البحث في جواز رخصة السياقة للمرأة، ومدى إمكانية النزول على سطح القمر، ومن ثم تحولت السلطة الدينية من شريك له ثقله ومكانته وفاعليته إلى مستوى الشيء من أشياء السلطة، الذي يمكن استعماله في أي مشروع من مشاريع السلطة السياسية، وهو الأمر الذي شَجَّع الشباب الذين سافروا إلى العالم للسياحة ولطلب العلم وإلى العمل…، والذين تربوا في الجامعات واحتكوا بأولئك الوافدين من العالم، على التمرد على هذا الواقع الذي يحتاج إلى إصلاح.
ميلاد حركة الإصلاح
فالسلطة الدينية بتخلفها عن مواكبة العصر، فرضت على نخب المجتمع التمرد على هذه السلطة، وهنا لا أتكلم عن التيارات الأخرى غير التيار الإسلامي، وإنما أتكلم عن التيار الإسلامي، الذي يعتبر الأقرب إلى السلطة الدينية من غيره، إذ كثير منهم من تلامذة هيئة كبار العلماء، ومع ذلك خرجوا عنهم بشكل أو آخر، مع الحفاظ على الوجهة الإصلاحية التي انطلقت منها حركة محمد بن عبد الوهاب، وتطورت شيئا فشيئا إلى أن تجاوزت الطرح التقليدي؛ بل تجاوزت الكثير من طروحات التنظيمات في العالم الإسلامي.
ولدت حركة إصلاح بمعناها المتجاوز للمؤسسة الدينية الرسمية في الفترة الممتدة ما بين 1975 إلى 1982، وهي فترة حكم الملك خالد بن عبد العزيز، وبحكم أن نظام الحكم يمنع إنشاء التنظيمات، فإن طريقة العلماء والدعاة اختارت لنفسها صيغا مناسبة لكل وضع أو حالة أو مرحلة ما يناسبها من الإعداد، ومن هذه النخبة أسماء بعضهم من الذين ألقي عليهم القبض هذه الأيام بسبب موقفهم السلبي من السلطة، أمثال: سلمان العودة، سفر الحوالي، محسن العواجي، محمد العريفي، عائض القرن، محمد موسى الشريف، علي بدحدح، خالد العجمي، عبد المحسن الأحمد، محمد الأحمري، هذه النخبة تمثل جيلا جديدا في التصور والممارسة، فمنهم من اشتهر بانتمائه للإخوان المسلمين اللاجئون بالمملكة بعلم السلطة وإقرارها لوجودهم، ومنهم من بقي مستقلا وإنما عمل على تشكيل مجموعات عمل ينشطون في جانب من جوانب العمل العام، حتى أن بعضهم كان يجمع مجموعة من ثلاثة أو أربعة أفراد على مشروع إصلاحي، أو مشروع فني، تكويني، تدريبي، أو مشروع إعلامي، أو مشروع استثماري وقفي، أو مشروع علمي تربوي…إلخ، وقد كان لهذه النخبة أثر كبير في المجتمع السعودي والمجتمع الإسلامي عموما، حتى أن الشيخ سلمان العودة له من المتابعين في العالم حوالي 14 مليونا.
وقد أخذت حركة الإصلاح هذه توجهان: توجه يقوم على الإصلاح الفكري، وإعادة النظر في المناهج التربوية والدعوية، ومن هؤلاء جماعة المنتدى الذين أسسوا مركزا لهذا الغرض في بريطانيا وأصدروا مجلة البيان، وكان من بينهم الشيخ محمد سرور بن نايف زين العابدين السعودي الذي انفصل عنهم وأسس مركزا آخر وأصدر مجلة السنة، ونحا منحا آخر في الإصلاح، والتوجه الثاني سياسي ويمثله بشكل أساس سعد الفقيه، الذي أسس في بريطانيا أيضا “حركة الإصلاح” المعارضة لنظام الحكم.