المجرمون الصغار.. ضحايا الإهمال العائلي والتكنولوجيا والعشرية الحمراء
تعتبر ظاهرة جنوح الأحداث من أهم القضايا الاجتماعية وأخطرها، لكونها تتعلق بفئة هي أساس النظام الاجتماعي واللبنة الهامة به وأي خلل يصيبها سيؤدي حتما إلى زعزعة النظام واستقراره، خاصة وأن الظاهرة قد استفحلت في المجتمع الجزائري وأخذت أبعادا خطيرة، فقد أحصت مصالح الأمن خلال السنة الماضية تورط 8 آلاف قاصر ممن هم دون السن القانوني، أي 18 سنة، في مختلف الجرائم كالضرب والجرح العمدي، حمل أسلحة محظورة والاعتداء على الأصول حتى إن هناك من تورطوا في جنايات وهو ما جعل المختصين في علم الاجتماع والنفس والقانونيين يجمعون على أن المجتمع أصبح عنيفا نتيجة الفترة التي عاشتها البلاد “العشرية الحمراء”، كما تراجع دور الأسرة والرقابة العائلية على الأطفال، في وقت انتشرت فيه مقاهي الإنترنت والقنوات الفضائية والألعاب الإلكترونية والفيديو التي تروِّج لمقاطع عنف وإجرام.
اتفق المختصون في علم النفس الاجتماعي على تعريف الجنوح بأنه السلوك الذي لا يتفق ومعايير الجماعة، وبالتالي فإن التصرفات التي يقدم عليها الطفل في السن التي تسبق المراهقة هي تصرفات تكون غير متماشية مع البيئة التي يقيم فيها، إلا أن الظروف والعوامل الاجتماعية المحيطة به كالأسرة، المدرسة أو الرفاق وبالأخص هذين الأخيرين أصبحا يشكلان نقطة تحول في حياة الطفل الحدث ودافعه الأول للانحراف، فقد يرتكب الطفل الجريمة بغية تأكيد الذات والحصول على الحرية، أو مرتبط بأسباب اقتصادية؛ فالطفل اليوم مادي بطبعه مما يدفعه لاتباع سبل أخرى لتحصيل الأموال. وقد أجمع المختصون في علم النفس على أن الجنوح عند الأحداث يكون في غالب الأحيان ظرفيا ومؤقتا، ويزول ببلوغ الحدث سن الرشد وإدراكه أهمية الحفاظ على صحيفة السوابق العدلية خالية من العقوبات أو بعد تحقيق المستوى الاقتصادي الذي يطمح إليه وهو ما يقع في غالب الأحيان.
وفي السياق نفسه أكد الأستاذ بهلولي إبراهيم، محام معتمد لدى مجلس قضاء العاصمة، أن المشرع الجزائري قبل تجنيح الفعل وضع حماية خاصة للطفل سواء في التصرفات الضارة به أم النافعة له وجعله دوما تحت مسؤولية الوليّ الشرعي الأب أو الأم، ولذا عمد المشرّع إلى استحداث نصوص تربوية بتحويل القاصر الذي ارتكب جنحة إلى أحد المراكز التربوية، وهناك يخضع للعلاج النفسي على أيدي مختصين يقومون بإعداده لإعادة إدماجه في المجتمع، فبحكم سن الحدث ومراهقته يكون في مرحلة حساسة وهي الانتقال من الطفولة إلى سن الرشد مع تسليط نوع من العقاب النفسي عليه كالتوبيخ والإنذار ويقيد الحكم في صحيفة سوابقه العدلية. وأشار الأستاذ بهلولي أن مرحلة التسعينات “العشرية الحمراء” ساهمت بشكل كبير في زيادة عدد الأطفال الجانحين، كما أن التطور التكنولوجي جعل الحدث يفكر بطريقة إجرامية لا تتوافر إلا عند المحترفين وأصحاب الخبرة، فالإنترنت والمعلومة الإجرامية أصبحت في متناول الجميع. وأضاف المتحدث أن هناك أحداثا تورطوا في جرائم قتل بشعة لا تتوافق مع سنهم.
وعن المؤسسات العقابية أوضح الأستاذ بهلولي أن هناك مؤسسات عقابية خاصة بهم لا يحتكُّون فيها بالبالغين، لأن القانون يحمي القاصر في حال تم تسليط عقوبات رادعة وسالبة في حقه وهذا يتوقف على نوع الجريمة المرتكبة، ويتم منح الأولوية للجانب النفسي والتربوي. وبصفته متواجدا دوما في المحاكم وعايش الكثير من قضايا الأحداث. أوضح رجل القانون أن جل الجرائم التي يرتكبها الأحداث تتعلق بحيازة المخدرات بغرض الاستهلاك، وحمل سلاح أبيض محظور، وجرائم الضرب والجرح العمدي خاصة داخل المؤسسات التعليمية، بقصد التحرر من القيود والتمرد على الضغوط، محملا الوالدين والمؤسسات التعليمية التي أصبحت بؤرا للفساد والانحراف الشطر الأكبر من المسؤولية.
وكشف المتحدث أن هناك نقصا كبيرا في عدد المراكز التربوية التي تتكفل بالأحداث خاصة فيما يتعلق بالجانب الإداري والطاقم المشرف، فأغلبيتهم بحاجة إلى إعادة تأطير وتكوين إلا أن المتابعة الدائمة لقاضي الأحداث وتنقّله المستمر إلى المراكز وإشرافه على الطفل الجانح منذ إلقاء القبض عليه، ومرحلة التحقيق وصولا عند صدور الحكم ودخوله المركز، يجعله تحت الرقابة الدائمة لقاضي الأحداث وفي حال هروبه من المركز يتم تحويله إلى مركز تربوي آخر في ولاية بعيدة.