المحاربون يكتبون التاريخ في مونديال 2026 بسيناريو هيشكوكي
في ليلة صيفية لاهبة، من ليالي الولايات المتحدة الأمريكية، احتضن ملعب “أروهيد” بمدينة كانساس سيتي، واحدة من أكثر المباريات إثارة وتشويقاً في تاريخ المشاركات العربية بالمونديال. بسيناريو دراماتيكي حبس أنفاس الملايين، نجح المنتخب الجزائري لكرة القدم في انتزاع بطاقة العبور إلى الدور ثمن النهائي لنهائيات كأس العالم 2026، بعد تعادل مثير ومجنون بنتيجة (3-3) أمام نظيره النمساوي، لحساب الجولة الثالثة والأخيرة من منافسات المجموعة العاشرة. هذا التعادل الثمين منح “الخضر” تأشيرة التأهل ضمن قائمة أفضل المنتخبات المحتلة للمركز الثالث، ليعيدوا كتابة التاريخ ويحاكوا إنجاز مونديال البرازيل 2014 بعد غياب دام اثني عشر عاماً.
منذ صفارة البداية، اتضح أن المباراة لن تخضع للتحفظ التكتيكي؛ إذ دخل كلا الطرفين بأسلوب هجومي مفتوح ورغبة جامحة في حسم التأهل. واجه المدرب الجزائري اختباراً اضطرارياً في حراسة المرمى بدخول أسامة بن بوط أساسياً للمرة الأولى تعويضاً للوكا زيدان. ورغم البداية القوية لـ”الخضر”، إلا أن المنتخب النمساوي استغل هفوة في التمركز الدفاعي الجزائري ليفتتح التسجيل في الدقيقة (28) عبر مهاجمه المخضرم ماركو آرنوتوفيتش الذي انفرد بالمرمى. ولم يستسلم المحاربون؛ بل كشّروا عن أنيابهم وضغطوا بقوة حتى تمكن الظهير الأيمن المتألق رفيق بلغالي من تعديل النتيجة في الدقيقة (45) بعد فاصل مهاري فردي ساحر، لينتهي الشوط الأول بالتعادل (1-1).
الشوط الثاني، جاء أكثر إثارة وتعقيداً؛ حيث أجرى مدرب النمسا ثلاثة تغييرات تكتيكية أثمرت هدفاً ثانياً وقعه مارسيل سابيتزار في الدقيقة (55). هنا، ظهرت الشخصية القوية والصلابة الذهنية للاعبي الجزائر؛ فلم تمضِ سوى خمس دقائق حتى نجح القائد رياض محرز في تعديل الكفة (2-2) في الدقيقة (60) مستغلاً تمريرة سحرية ومحكمة من زميله حسام عوار. واستمرت المعركة البدنية والتكتيكية الطاحنة حتى اللحظات القاتلة، وفي الوقت الذي اعتقد فيه الجميع أن المباراة تسير نحو التعادل، فجّر رياض محرز الفرحة في المدرجات بتسجيله الهدف الثالث للجزائر في الدقيقة (90+3). لكن الإثارة لم تنتهِ هنا، إذ خطف البديل النمساوي كالايتزيتش هدف التعادل القاتل في الدقيقة (90+6)، لتنتهي الملحمة الكروية بنتيجة (3-3)، بإسدال الستار على مباريات المجموعة. تأهلت الأرجنتين في الصدارة بالعلامة الكاملة (9 نقاط) بعد فوزها على الأردن (3-1)، في حين، حلت النمسا ثانية (4 نقاط) وبفارق الأهداف عن الجزائر التي احتلت المركز الثالث بنفس الرصيد، وهو ما كان كافياً جداً لضمان عبورها ضمن أفضل الثوالث.
بيتكوفيتش: “مباراة النمسا كانت جنونية، وكرة القدم هي التي انتصرت في النهاية”
علّق الناخب الوطني الجزائري، فلاديمير بيتكوفيتش، على التأهل الدراماتيكي لـ”الخضر” إلى الدور ثمن النهائي من مونديال 2026 بعد التعادل المثير أمام النمسا بنتيجة (3-3). ووصف المدرب البوسني اللقاء بأنه كان “جنونياً بعض الشيء”، مؤكداً أن النتيجة تعكس الروح الرياضية العالية التي سادت الميدان. وفي تصريحاته عقب نهاية الملحمة الكروية، قال بيتكوفيتش: “لقد كان لقاءً مثيراً وتجاوز الأمر حدود تحمل الجميع نوعاً ما. أنا سعيد للغاية، لأن كرة القدم انتصرت وسادت في النهاية، والنتيجة (3-3) تلخص كل شيء”.
وجاءت هذه النتيجة المفتوحة لترد بقوة على المخاوف التي سبقت اللقاء، حيث كانت ذكريات “فضيحة خيخون” المؤلمة عام 1982ـ عندما تآمرت ألمانيا الغربية والنمسا لإقصاء الجزائر ـ لا تزال حاضرة في الأذهان، ليرسخ هذا التعادل النزيه فصلاً جديداً من النزاهة الكروية. سيكون بيتكوفيتش على موعد مع مواجهة استثنائية وخاصة جداً في الدور القادم، حيث سيقود الجزائر لمجابهة المنتخب السويسري؛ الفريق الذي أشرف على تدريبه لسبع سنوات كاملة بين عامي 2014 و2021.
وعن هذا التحدي، علق قائلاً: “سويسرا منتخب رائع وقوي، وأنا أعرف جيداً طريقة لعبه والعديد من الوجوه هناك، حتى وإن كانت هناك أسماء جديدة طرأت على تشكيلته، فقد لعب بعضهم معي سابقاً، ولذلك فأنا أعرف هؤلاء اللاعبين.”
وأردف مستعرضاً خطة العمل القادمة: “سندرس المنافس بعناية، وسنستعد بأفضل شكل ممكن من أجل تقديم مباراة كبيرة وانتزاع بطاقة التأهل، لكن تركيزنا الفوري ينصب الآن على التعافي؛ دعونا نرتاح أولاً، ثم سنبدأ من جديد استعداداً للدور التالي”.
واختتم المدرب تصريحاته بالإشارة إلى أن “الخضر” لا يزالون في طور التطور كفريق، ويتحسنون بشكل ملحوظ من مباراة إلى أخرى، وهو ما يرفع منسوب التفاؤل لدى الجماهير الجزائرية لتقديم مباراة تكتيكية كبرى في مدينة فانكوفر الكندية.
رياض محرز: “سنستمتع أولا بهذا الإنجاز قبل أن نستأنف العمل”
أعرب قائد المنتخب الوطني الجزائري، رياض محرز، عن سعادته البالغة وفخره الكبير بالعبور التاريخي لـ”الخضر” إلى الدور ثمن النهائي من نهائيات كأس العالم 2026، عقب التعادل المثير أمام النمسا (3-3) في موقعة كانساس سيتي. وأكد نجم “المحاربين”، الذي خطف الأنظار بتسجيله ثنائية حاسمة، أن هذا التأهل يمثل محطة تاريخية تستحق الاحتفاء قبل التفكير في المعركة التكتيكية القادمة ضد المنتخب السويسري. وفي تصريحاته عقب نهاية المباراة، قال محرز: “إنه إنجاز رائع. نحن سعداء جدا بذلك. إنها المرة الثانية في تاريخنا التي نبلغ فيها هذا الدور. سنستمتع أولاً بهذا الإنجاز المستحق، قبل أن نستأنف العمل تحضيراً للدور الـ16. المباراة لم تكن سهلة، فقد واجهنا منتخباً قوياً، لكن الأهم بالنسبة لنا كان ضمان التأهل إلى الدور المقبل.” ولم يفوت القائد الفرصة للإشادة بالعمل الجماعي وزميله حسام عوار الذي صنع له الهدف الأول بتمريرة ميليمترية، حيث أضاف: “أنا سعيد بتسجيلي هدفين، غير أن الفضل يعود أيضاً إلى حسام عوار الذي قام بعمل كبير، حيث كانت تمريراته حاسمة ورائعة.” وفي ختام حديثه، شدد محرز على أن الأدوار الإقصائية لها أحكامها الخاصة وتتطلب تركيزاً مضاعفاً، قائلاً: “في ما تبقى من المنافسة، سنكون مطالبين بالتحلي بالشخصية والقوة الذهنية، لأن الأمر يتعلق ببطولة عالمية، وعلينا أن نكون في مستوى التحدي.” تأتي تصريحات القائد لتعكس حالة الوعي الكبيرة داخل بيت “الخضر”؛ فبين نشوة الانتصار التاريخي والمسؤولية الملقاة على عاتقهم، يثبت رفقاء محرز أن طموحهم في مونديال أمريكا الشمالية يتعدى مجرد التأهل، بل يتطلعون لكتابة فضل جديد ومشرق للكرة الجزائرية في مدينة فانكوفر الكندية.
حسام عوار: “فخورون جداً بما حققناه من أجل الشعب الجزائري”
أبدى نجم خط وسط المنتخب الوطني الجزائري، حسام عوار، فخره واعتزازه الشديدين بالمساهمة في قيادة “المحاربين” نحو ثمن نهائي مونديال 2026. وأكد مهندس التمريرات الحاسمة في موقعة “كانساس سيتي” أن هذا الإنجاز التاريخي هو هدية للشعب الجزائري الذي ساند التشكيلة الوطنية بقلبه وروحه، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الطموح لا يزال قائماً لتخطي العقبة السويسرية القادمة.
وفي تصريحات أدلى بها عقب نهاية الملحمة الكروية أمام النمسا، صرح عوار قائلاً: “نحن فخورون جداً بما حققناه، خاصة من أجل الشعب الجزائري الذي كان ينتظر هذا التأهل بفارغ الصبر. المباراة كانت صعبة للغاية أمام منتخب نمساوي قوي، وتعرضنا لضغط كبير طوال أطوار اللقاء، لاسيما أنه عرف العديد من التقلبات في النتيجة. والحمد لله، تكللت جهودنا بالتأهل المستحق.” وأضاف نجم “الخضر” معبراً عن الرضا التام بما قدمته المجموعة: “أعتقد أننا بلغنا هدفنا وقدمنا في الوقت نفسه صورة مشرفة عن الكرة الجزائرية.” وعن الخطوة القادمة في مدينة فانكوفر الكندية، أبدى عوار واقعية كبيرة واحتراماً للمنافس، مع التأكيد على روح التحدي التي يتسلح بها اللاعبون، حيث ختم حديثه بالقول: “الآن يتعين علينا استرجاع قوانا جيداً استعداداً لمواجهة سويسرا. نحترم هذا المنتخب كثيراً بعدما أنهى الدور الأول في صدارة مجموعته، وهذا لم يأتِ من فراغ، لكننا سندخل المباراة بعزيمة كبيرة على تحقيق إنجاز جديد.” تأتي كلمات عوار لتعكس النضج التكتيكي والذهني الذي بات يتمتع به الجيل الحالي لـ”الخضر”؛ حيث يدرك رفقاء عوار أن احترام الخصم والتحضير البدني الجيد هما المفتاح الأساسي لمواصلة مغامرتهم المونديالية الاستثنائية وإسعاد ملايين الجزائريين.
رفيق بلغالي: “الأهم كان ضمان التأهل”
عبر الظهير الأيمن المتألق للمنتخب الوطني الجزائري، رفيق بلغالي، عن سعادته الغامرة بالمساهمة في العبور التاريخي لـ”الخضر” إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026. وأكد صاحب الهدف الأول في شباك النمسا أن فرحة التأهل وتجسيد الهدف المسطر تفوق خيبة استقبال هدف التعادل في الأنفاس الأخيرة من موقعة “كانساس سيتي”، كاشفاً عن مشاعر خاصة رافقت هدفه المونديالي الأول. وفي تصريحاته عقب نهاية اللقاء المثير، قال بلغالي: “كنا قريبين جداً من تحقيق الفوز بنتيجة (3-2)، قبل أن نستقبل هدف التعادل في اللحظات الأخيرة. لكن الأهم بالنسبة لنا كان ضمان التأهل إلى الدور المقبل، وقد نجحنا في تحقيق هذا الهدف.” وعلى الصعيد الشخصي، لم يخفِ مدافع “الخضر” فخره بهذا الإنجاز، مرجعاً الفضل للأجواء الجماعية، موجهاً تحية وفاء مؤثرة، حيث أضاف: “على الصعيد الشخصي، أشعر بسعادة مضاعفة بعدما سجلت أحد أهداف المنتخب، لأنني ساهمت في التأهل إلى الدور السادس عشر، كما أنني أهديت هذا الهدف لصديق عزيز رحل عنا مؤخراً، وكان من المهم بالنسبة لي أن أخلد ذكراه بهذه الطريقة.” تثبت تصريحات بلغالي الأجواء العائلية والروح العالية التي تسود معسكر المحاربين؛ فبين الواجب الوطني والوفاء الإنساني، أكد اللاعب الشاب أنه يمتلك العزيمة والموهبة لتقديم الإضافة، ورفع لواء التحدي رفقة زملائه قبل التوجه إلى كندا لمقارعة المنتخب السويسري في الدور القادم.
دافيد ألابا يشيد بـمحرز ويؤكد:
“الجزائر تملك تشكيلة مميزة”
أبدى قائد المنتخب النمساوي، دافيد ألابا، إعجاباً كبيراً بالمستوى الفني المرتفع الذي ميز مواجهة بلاده أمام المنتخب الوطني الجزائري (3-3) في ختام مباريات المجموعة العاشرة لمونديال 2026. وفي تصريحات خاصة لمنصة “winwin”، خصّ نجم ريال مدريد القائد الجزائري رياض محرز بإشادة لافتة، مؤكداً أنه يمتلك جودة تفوق العادة وقاد بلاده لتأهل تاريخي مستحق. وفي تقييمه للملحمة الكروية التي احتضنها ملعب “أروهيد”، صرح ألابا قائلاً: “كانت الجودة الليلة عالية جداً، لكنني أعتقد أننا سعداء جداً بالتأهل.” وعند سؤاله عن رأيه في الأداء الفردي لقائد “الخضر” رياض محرز، الذي أرهق الدفاع النمساوي وسجل ثنائية حاسمة، لم يتوانَ ألابا في إظهار تقديره الكبير لخبرة النجم الجزائري وإمكاناته العالية، حيث قال: “نعم، هو أحد هؤلاء اللاعبين الذين يمتلكون جودة استثنائية، لكن لديهم أيضاً المزيد من اللاعبين المميزين.” ولم تكن إشادة ألابا من فراغ؛ إذ نصب رياض محرز نفسه عريساً لليلة “كانساس سيتي” التاريخية، بعدما افتتح سجل أهدافه المونديالية بتوقيع ثنائية حررت قلوب ملايين الجزائريين وثبتت أقدام “المحاربين” في الدور ثمن النهائي لأول مرة منذ 12 عاماً. ووفقاً لتقييمات منصة “winwin”، نال محرز لقب رجل المباراة دون منازع بحصوله على أعلى علامة بـ(9.1 من 10)، بفضل تأثيره الهجومي الحاسم، وصناعته للفارق في الأوقات القاتلة، ليثبت مجدداً أنه رجل المواعيد الكبرى وقائد حقيقي لجيل يطمح لذهاب بعيداً في المحفل العالمي.
تعادل بطعم الدرس…
غياب التركيز في الدقيقة 96 يحرم “الخضر” من وصافة المجموعة
شهدت الجولة الختامية من دور المجموعات في كأس العالم 2026 فصلا جديدا من فصول الإثارة الكروية التي تحبس الأنفاس، وتحديدا في المواجهة المحتدمة التي جمعت المنتخب الوطني الجزائري بنظيره النمساوي على أرضية ملعب كنساس سيتي، ولم تكن هذه المباراة مجرد محطة استثنائية في مشوار الفريقين، بل تحولت في أمتارها الأخيرة إلى دراما كروية خالصة، كان بطلها المهاجم البديل ساشا كالايدغيتش، الذي حرم “محاربي الصحراء” من انتصار تاريخي كان في متناول أيديهم حتى الثواني الأخيرة من عمر اللقاء.
دخلت المباراة دقيقتها الثالثة بعد التسعين والتعادل الإيجابي بهدفين لكل فريق يفرض نفسه على النتيجة، حتى نجح القائد رياض محرز في هز الشباك النمساوية بهدف ثالث بدا وكأنه رصاصة الرحمة التي أعلنت تفوق الجزائر وصعودها المباشر من المركز الثاني، حيث سادت أجواء الاحتفال المدرجات ودكة بدلاء المنتخب الجزائري، وظن الجميع أن النقاط الثلاث باتت مضمونة، وأن الإطلاق الرسمي لصافرة النهاية ليس إلا مسألة وقت، لكن كرة القدم أثبتت مجددا أن تفاصيلها الصغيرة لا تعترف باليقين إلا مع الصافرة الأخيرة للحكم.
في الدقيقة السادسة بعد التسعين، ومن المحاولة الهجومية الأخيرة واليائسة للمنتخب النمساوي، استغل المنافس هفوة في التمركز الدفاعي الجزائري ناتجة عن التراجع البدني والذهني في اللحظات الأخيرة، ومن كرة عرضية متقنة داخل منطقة الجزاء، ارتقى المهاجم الطويل ساشا كالايدغيتش فوق الجميع ليوجه ضربة رأسية قوية سكنت شباك الحارس الجزائري، معلنا تعادلا قاتلا في الأنفاس الأخيرة من المواجهة، هذه اللقطة لم تغير النتيجة إلى ثلاثة أهداف لمثلها فحسب، بل أعادت ترتيب أوراق المجموعة بالكامل، حيث منحت النمسا وصافة المجموعة بفارق الأهداف، وجعلت تأهل الجزائر يمر عبر حسابات أفضل ثوالث.
رغم مرارة استقبال هدف في الثواني الأخيرة وحرمان التشكيلة الوطنية من فوز معنوي وتاريخي كبير، فإن السيناريو العام للمباراة لم يمنع الجزائر من تحقيق هدفها الأكبر وهو العبور إلى دور الاثنين والثلاثين، وتظل لقطة كالايدغيتش بمثابة درس تكتيكي قاس لكتيبة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش حول أهمية الحفاظ على أعلى درجات التركيز الذهني والتنظيم الدفاعي حتى الثواني الأخيرة، خاصة وأن المحطة المقبلة في فانكوفر أمام المنتخب السويسري لا تقبل القسمة على اثنين ولا تحتمل مثل هذه الأخطاء الهامشية.
بأداء منضبط وهدف حاسم:
من دكة البدلاء إلى كتابة التاريخ… رفيق بلغالي يثبت أقدامه مع “الخضر”
أثبتت مباراة المنتخب الوطني الجزائري ونظيره النمساوي في الجولة الختامية من دور المجموعات لكأس العالم 2026، أن البطولات الكبرى تصنع نجومها من رحم الفرص المفاجئة، وفي الوقت الذي كانت تتجه فيه الأنظار نحو الأسماء الرنانة والمحترفة في كبرى الدوريات الأوروبية لقيادة خط الهجوم، نجح اللاعب الشاب رفيق بلغالي في خطف الأضواء وتحويل مساره الدولي من لاعب بديل ينتظر فرصته على دكة البدلاء، إلى أحد الأوراق الحاسمة التي أسهمت بشكل مباشر في تأمين عبور “محاربي الصحراء” إلى دور 32.
دخل بلغالي المواجهة وسط ضغوطات تكتيكية وفنية كبيرة، لتعويض النقص أو لتقديم الإضافة المطلوبة في منظومة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش، ولم يكتفِ اللاعب بملء الفراغ، بل أظهر نضجا كرويا لافتا وثقة عالية بالنفس تجلت في تحركاته الذكية بين الخطوط الدفاعية للمنتخب النمساوي، وجاءت ذروة هذا التألق في الدقيقة الخامسة والأربعين من الشوط الأول، عندما نجح في استغلال فرصة ثمينة ليسجل هدف التعادل للجزائر، وهو الهدف الذي أعاد التوازن الفني والنفسي للتشكيلة الوطنية قبل الدخول إلى غرف الملابس، وأحبط المخطط النمساوي الذي كان يسعى لإنهاء الشوط متقدما.
تتجاوز أهمية الهدف الجانب الرقمي للمباراة، لتشكل نقطة تحول جوهرية في المسيرة الدولية لرفيق بلغالي، فقد برهن اللاعب للجهاز الفني والجماهير الجزائرية أنه يمتلك المقومات الفنية والبدنية والذهنية اللائمة للعب في المستويات العالية وتحت الضغط الجماهيري والإعلامي المونديالي، هذا الأداء المنضبط والفعال يعزز من الخيارات التكتيكية للمنتخب في المراحل الإقصائية المقبلة، ويخلق منافسة إيجابية وصحية داخل التشكيلة الأساسية، حيث أثبت بلغالي أن الجاهزية الذهنية هي المفتاح الحقيقي للنجاح عندما تمنح للاعب فرصة الظهور.
ومع انتقال بعثة المنتخب الجزائري إلى مدينة فانكوفر الكندية لمواجهة سويسرا في الدور المقبل، يبدو أن بلغالي قد حجز لنفسه مكانا متقدما في حسابات المدرب بيتكوفيتش، ولم يعد المهاجم الشاب مجرد خيار ثانوي للطوارئ، بل أصبح ركيزة يعول عليها في تفكيك الدفاعات المنظمة، مؤكدا أن العطاء والإصرار هما المعيار الحقيقي لارتداء قميص الخضر وكتابة التاريخ في المونديال.
تنصيب شاشات عملاقة لمتابعة اللقاء
البجاويون يحتفلون بتأهل المنتخب الوطني الجزائري
شهدت شوارع وساحات ولاية بجاية فجر الأحد، أجواء احتفالية استثنائية، عقب صافرة النهاية التي أعلنت تأهل المنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم إلى دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026، وخرج في هذا الصدد آلاف المواطنين من مختلف الأعمار إلى الساحات العامة والمحاور الرئيسية للتعبير عن فرحتهم بهذا الإنجاز الرياضي الكبير الذي جاء بعد مباراة بطولية ومثيرة حبست الأنفاس.
وكانت ذروة الحدث قد بدأت قبل انطلاق اللقاء، حيث توافدت جموع غفيرة من المناصرين نحو الساحة المحاذية لمقر الولاية بعاصمة الولاية، والتي تم فيها تنصيب شاشات عملاقة خصيصا لمتابعة هذه المقابلة الحاسمة في بث حي ومباشر، وساد الصمت والترقب أرجاء الساحة مع إطلاق حكم المباراة لصافرة البداية، حيث تابع المشجعون بتركيز شديد مجريات اللعب والندية الكبيرة التي فرضها المنتخب النمساوي.
ومع تقدم النمسا بالهدف الأول، خيم الهدوء لدقائق قبل أن تنفجر الساحة المحاذية لمقر الولاية بفرحة عارمة إثر تسجيل اللاعب رفيق بلغالي هدف التعادل في الدقيقة 45، حيث تعالت صرخات التشجيع واهتزت الرايات الوطنية عاليا في السماء.
وفي الشوط الثاني، تكرر السيناريو الحماسي بشكل مضاعف، فرغم تلقي شباك الخضر لهدف ثانٍ، أثمر الضغط الجزائري عن هدف التعادل الثاني بواسطة القائد رياض محرز في الدقيقة 60، لتشتعل الأجواء وسط الهتافات والتصفيق الحار، وبلغت الإثارة ذروتها في الأنفاس الأخيرة من الوقت بدل الضائع عندما أضاف محرز الهدف الثالث في الدقيقة 93، مما فجر فرحة هستيرية غير مسبوقة في ساحة الولاية وعاصمة الولاية بأكملها بألعاب نارية أضاءت السماء، ولم يفسد هذه الفرحة تسجيل النمسا لهدف التعادل الثالث في اللحظة الأخيرة، كون النتيجة النهائية كانت كافية لضمان عبور “المحاربين” إلى الدور المقبل.
وعقب إعلان الحكم نهاية اللقاء رسميا بالتأهل، تحولت الساحة ومحيط مقر الولاية إلى مركز للاحتفالات الكبرى، حيث امتزجت هتافات المشجعين بأصوات منبهات السيارات التي شكلت مواكب جابت الشوارع الرئيسية للمدينة حاملة الرايات الوطنية، وامتدت هذه الأجواء الاحتفالية لتشمل مختلف البلديات والدوائر الكبرى للولاية في ظروف آمنة تميزت بالروح الرياضية العالية والوعي، وسط تنسيق محكم من المصالح الأمنية لتسهيل حركة المرور وضمان سلامة المواطنين المحتفلين بهذا الإنجاز المونديالي المتميز.