المحكمة الدستورية تعيد إلى الواجهة ملف المساءلة داخل البرلمان
قررت المحكمة الدستورية رفع الحصانة النيابية عن برلمانيين أحدهما سيناتور في مجلس الأمة والآخر نائب في المجلس الشعبي الوطني، لتختتم بذلك سنة 2024 بقرار يعكس استمرار تطبيق الإجراءات المُرتبطة بالحصانة البرلمانية.
ويأتي هذا الإجراء أيضا بعد رفع الحصانة النيابية عن سبعة نواب آخرين شهر أفريل المنصرم، لتسجل السنة الجارية بداية ونهاية اتسمتا بتكريس مبدأ المساءلة داخل المؤسسة التشريعية.
وتضمن العدد الأخير من الجريدة الرسمية الصادر في 18 ديسمبر 2024، قرارين هامين للمحكمة الدستورية بشأن رفع الحصانة البرلمانية عن برلمانيين اثنين، أحدهما عضو في مجلس الأمة والآخر نائب في المجلس الشعبي الوطني، كلاهما يمثل ولاية ميلة.
ويتعلق القرار الأول، الذي يحمل رقم 12 والمؤرخ في 26 نوفمبر 2024، بإخطار تلقته المحكمة من الوزير الأول في 20 نوفمبر 2024، لرفع الحصانة عن السيناتور “ب.ش . ع.و”. وقد أكد القرار أن الإخطار جاء وفقًا لأحكام المادتين 130 فقرة 2 و193 فقرة 1 من الدستور، مما يستدعي قبوله من حيث الشكل.
أما من حيث المضمون، فقد استند القرار إلى رسالة من وزير العدل بتاريخ 4 سبتمبر 2024، تفيد بأن عضو مجلس الأمة “ب.ش . ع.و” يخضع للمتابعة القضائية في مجلس قضاء ميلة، على خلفية اتهامه بارتكاب أربع جنح تتعلق بتغيير الطابع الفلاحي للأراضي، ممارسة نشاط تجاري دون التسجيل في السجل التجاري، التحريض على الاعتراض بالعنف على قرارات السلطة العمومية، وإنشاء تجزئة سكنية دون رخصة. ومن بين التهم الموجهة إليه، كان الاتهام بالتلاعب بالعقارات وبيع أراض فلاحية على أنها أراض صالحة للبناء، مما دفع المحكمة إلى اتخاذ قرارها برفع الحصانة.
وفي تفاصيل أدق حول القضية، فإن المعنى حسب ما جاء في الجريدة الرسمية قام بأشغال البناء دون رخصة وممارسة أنشطة تجارية غير شرعية وذلك بتشييد بناية بمنطقة الخربة تتكون من ثلاثة طوابق خصصها كقاعة حفلات دون الحصول على أي وثيقة تسمح له بذلك لاسيما عقد الملكية ورخصة البناء والسجل التجاري.
وبناء على ذلك قررت المحكمة الدستورية قبول الإخطار والتصريح برفع الحصانة البرلمانية عن السيناتور، ويبلغ هذا القرار إلى الوزير الأول ورئيس مجلس الأمة ووزير العدل.
أما بالنسبة للقرار الثاني المتعلق بالنائب “ب.ع.إ” في المجلس الشعبي الوطني، فقد اتخذته المحكمة الدستورية بناء على إخطار من الوزير الأول، وفقًا للمادة 129 من الدستور التي تضمن الحصانة البرلمانية فقط للأنشطة المتعلقة بالمهام البرلمانية. وتبنى القرار، في هذا السياق، رسالة وزير العدل التي أفادت بأن النائب “ب.ع.إ” يخضع للمتابعة القضائية في ولاية ميلة، بتهمتي “مخالفة التشريعات الخاصة بالصرف وحركة رؤوس الأموال” و”التحريض على الاعتراض بالعنف”. كما أشار وزير العدل إلى أن النائب متهم بتهريب العملة الصعبة إلى الخارج ورفض الامتثال للتحقيقات التي أجراها جهاز الدرك.
وعللت المحكمة الدستورية قرارها، من حيث الموضوع، بمحتوى مراسلة وصلتها من وزير العدل، يذكر فيها أنه أحاط رئيس المجلس الشعبي الوطني علما، بأن النائب “ب.ع.إ”، متابع جزائيا في ولاية ميلة، بـتهمتي “مخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال، من وإلى الخارج”، و”التحريض على الاعتراض بالعنف على أعمال أمرت بها أو رخَصت بها السلطة العمومية”.
وفي هذا السياق، ذكر وزير العدل في رسالته، حسب قرار المحكمة الدستورية، أن النائب متهم بـ”تهريب العملة الصعبة إلى الخارج”، مشيرا إلى أنه “رفض الامتثال” لاستدعاءين من الدرك الوطني بغرض التحقيق معه.
ومعلوم، أن ملف سحب الحصانة البرلمانية عن نواب المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة عاد مؤخرا ليثير الجدل، خاصة في ظل الحديث عن وجود أسماء معنية بسحب الحصانة بعد تلقي مكتبي البرلمان من مصالح وزارة العدل إخطارات تعود أغلب القضايا المتابع فيها إلى فترة ترشحهم للانتخابات التشريعية الأخيرة وانتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة. فحسب معطيات تحوز عليها “الشروق” فإن بعض الملفات المعنية بالتنازل عن الحصانة النيابية ارتأى أصحابها التنازل والتوجه إلى مصالح العدالة لتسوية ملفاتهم.
هذا، وتنص المادة الدستورية 130 على أنه “يمكن أن يكون عضو البرلمان محل متابعة قضائية عن الأعمال غير المرتبطة بمهامه البرلمانية، بعد تنازل صريح من المعني عن حصانته”. كما تنص على أنه “في حال عدم التنازل عن الحصانة، يمكن لجهات الإخطار، إخطار المحكمة الدستورية لاستصدار قرار بشأن رفع الحصانة من عدمه”.