المحكمة العليا تستعيد مهامها وصلاحياتها
لم يسبق للمحكمة العليا أن شهدت نشاطا وحضورا بالمستوى الذي بلغته هذه الأيام، بسبب الملفات التي درستها والقرارات التي اتخذتها، والتي تبقى غير مسبوقة، بسجن مسؤولين سابقين في مستوى رؤساء حكومات، ومتابعة وزراء وولاة سابقين وحاليين.
ومنذ الاستقلال وإلى غاية الأسابيع القليلة الأخيرة، انطبع لدى الجزائريين اعتقاد راسخ، مفاده أن المحكمة العليا ليس من اختصاص لها، غير البت في الطعون التي تصلها من المجالس القضائية الموزعة في مختلف ربوع الوطن، والتي تتمحور في عمومها، حول شكاوى النزاعات الشخصية وتقسيم الإرث والطلاق وما إلى ذلك..
وتختص المحكمة العليا وفق القانون رقم 22/89، في الرقابة القضائية على أعمال المحاكم والمجالس القضائية فيما تصدره هذه الجهات القضائية، من أحكام وقرارات، كما تضمن توحيد الاجتهاد القضائي في جميع أنحاء البلاد وتسهر على احترام القانون.
وجاء الامتياز القضائي ليعطيها اختصاصا إضافيا، يتمثل في محاكمة الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء والولاة وكبار مسؤولي الدولة، ومع ذلك لم يسبق لهذه المحكمة أن حسمت في ملفات أي من هؤلاء، في مشهد يعكس بجد الوضع الذي آلت إليه الدولة قبل انتفاضة 22 فبراير 2019.
وحتى عندما طرحت على المحكمة العليا ملفات فساد في وقت سابق، مثل قضية والي البليدة السابق، محمد بوريشة، وقضية وزير الطاقة والمناجم الأسبق، شكيب خليل.. لم تتعامل معها بالشكل المأمول، وتم طي ملفات “الحوت الكبير” في ظروف لا تزال غامضة، وبالمقابل تم تدفيع الثمن في هذه القضايا لبعض المتهمين الصغار المحرومين من الامتياز القضائي.
من سن نظام الامتياز القضائي لحماية المسؤولين الكبار في الدولة، استطاع أن يعطل الإجراءات القضائية بحق الإطارات السامية المتهمة، لكنه لم ينجح في إبقاء هؤلاء المحظوظين بعيدين عن سيف العدالة، لأن الإرادة السياسية تختفي وتبرر حسب جدية وصرامة صانع القرار.
غير أنه ومنذ نحو شهر من الآن تحولت المحكمة العليا إلى قطب جذب أنظار، ليس الجزائريين، فحسب، بل شغل العالم بأكمله، ولم يكن هذا ليحدث، إلا بعد أن تلقت الضوء الأخضر، حينما شدد قائد الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، على ضرورة أن تلعب العدالة الدور المنوط بها في محاربة الفساد، فيما بدا تعبير عن إرادة صارمة في تفعيل سلطة القضاء، والتي تحولت على مدار عقود إلى سلطة تابعة لسلطات يفترض أن تكون ندا لها، وخاصة التنفيذية منها.
الكثير من الجزائريين لم يستوعبوا بعد ما يحدث هذه الأيام على مستوى المحكمة العليا أو على مستوى بقية الهيئات القضائية من شدة المفاجأة، وهم يرون مطالبهم المتعلقة بمحاربة الفساد تتجسد على أرض الواقع، وإن كان هذا من نتائج وبركات “الحراك الشعبي”، إلا أنه يحسب أيضا لصانع القرار الحالي، الذي استطاع أن ينحاز لمطالب الشعب، بعد أن كان الانحياز في فترات سابقة، لصالح القوي دائما.
وسجنت المحكمة العليا لحد الساعة، كل من الوزيرين الأولين السابقين، أحمد أويحيى، وعبد المالك سلال، ووزير التجارة الأسبق، عمارة بن يونس، فيما لا تزال القائمة طويلة ومفتوحة على كل الاحتمالات والمفاجآت.