المخابرات الإسرائيلية وتدمير البلدان العربية.. السودان مثالا
الذي يعتقد أنه بدعمه لفلسطين إنما يقوم بواجب نصرة أخوة العقيدة والدم والحضارة فقط، فهو في الحقيقة لا يعرف طبيعة الكيان الصهيوني ولا يدرك دوره الاستراتيجي في المنطقة.. تتبعتُ قبل عشرين سنة موضوعا شبيها بهذا.. إنه التمرد الكردي في شمال العراق، وقد انكشف دور “ديفيد بن اليعازر” الوزير الصهيوني في تدريب الأكراد وتسليحهم والتخطيط لهم حسب اعترافات إسرائيلية.. والحديث هنا هو إشارة إضافية عن أدوار سرية وعلنية تقوم بها المخابرات الصهيونية لإحداث قلاقل في بلدان عربية عديدة.. بل لا بد من الانتباه إلى النعرات المذهبية والقومية في بلداننا على أنها تتمّ بتفعيل أمني صهيوني، كما جاء في مؤتمر”هرتزيليا” الأخير الذي دعا لتفجير البلدان العربية من الداخل بتفجير الاثنيات القومية والطائفية والثقافية فيها.
في لقاء مع أستاذ مصري متخصص في الدراسات الاستراتيجية على شاشة إحدى التلفزيونات قال إن الرئيس العربي الفلاني والرئيس العربي العلاني استقلا طائرة معاً وهبطا الخرطوم وأبلغا الرئيس السوداني أن لا أحد يستطيع أن يحمي السودان من القرار الغربي، وعلى قيادة السودان الإسراع في خطوات للسماح بانفصال الجنوب عن الشمال.. وبعد اتفاقيات للسلام في السودان، التزمت القيادة السودانية بإجراء استفتاء للجنوبيين.. كانت مسرحية ساذجة عندما خرجت نتائج وهمية لتأييد الانفصال، حيث كانت كثير من المناطق بلا مشرفين وتم الانفصال في ظل تظاهرة دولية كبيرة.. انفصل الجنوب عن الشمال مسجلا خسارات استراتيجية للسودان، وكان مفترضا حسب الاتفاقيات رفع الحصار عن السودان فورا، ولكن شيئا من هذا لم يحدث، بل هناك محاولات لتفجيره بمسميات أخرى من الداخل ومنعه من الاستفادة من ثرواته.. فأين تقع جهود المخابرات الاسرائيلية من ذلك؟
كشف قائدٌ سابق في جهاز”الموساد” ديفيد بن عوزيل في كتاب صدر له قبل أسابيع قليلة في تل أبيب بعنوان “مهمة للموساد في جنوب السودان يوميات عملياتية”، النقاب عن مشاركة إسرائيل بشكل فعلي في حرب الانفصال التي اندلعت في الفترة بين عامي 1969 و1971.. حيث قال عوزيل، إنه وزملاءه وضباطا في وحدات مختارة من الجيش الإسرائيلي شاركوا فعليا في هذه الحرب إلى جانب حركة “أنيا-نيا” الانفصالية التي طالبت بالانفصال عن السودان، والتي كان يقودها الجنرال جوزيف لاغو، إذ قاموا بتفجير جسور وسفن تنقل السلاح والإمدادات للجيش السوداني عبر النيل.. وكشف عوزيل، الذي يُطلق عليه لقب “طرزان” أن المهام التي قام بها الموساد في المنطقة تضمنت أيضا عمليات تدريب ونقل مُعدات قتالية وإسعافات صحّية وغيرها، وأن الموساد والجيش الإسرائيلي ساعدا “جيش جنوب السودان” على تدشين كتائب وألوية ووحدات صغيرة من أجل القيام بحرب عصابات ضد الجيش السوداني، كما قام جهاز الموساد بتدشين مهبط للطائرات في جنوب السودان لاستغلاله في إقلاع وهبوط الطائرات التي كان يستأجرها، وكانت تنقل السلاح والعتاد لـ”جيش جنوب السودان”، كما قامت وحدة الحرب النفسية في الموساد ببلورة الخط الدعائي لجيش جنوب السودان، من أجل التأثير سلبا في معنويات جنود الجيش السوداني.
يؤكد عوزي أن مهمته تأتي في إطار أشغال الدول العربية بنفسها ودعم كل طرف يعادي الدول العربية لمنعها من إرسال جيوش لمحاربة اسرائيل.. وأشار إلى أن إسرائيل حاولت، من خلال بناء علاقات مع دول وأقليات دينية ومذهبية وعرقية توجد في حالة صراع مع العالم العربي، تقليص مظاهر العزلة التي تعيشها في المنطقة، وهذا هو السبب وراء تعاظم العلاقات بين إسرائيل وكل من إثيوبيا وتركيا وإيران الشاه والموارنة في لبنان والأكراد في العراق.. وكشف عوزيل بأن إسرائيل استفادت من التعاون الاستخباري مع كل من كينيا وإثيوبيا، في التواصل مع المتمردين في جنوب السودان.. وهذه ليست كل الحرب على السودان، فهناك أنواعٌ عديدة من الحرب منها التحريض على السودان في الإقليم وفي العالم لإحكام الحصار، وهناك قصف بصواريخ الطيران لمصانع سودانية ومؤسسات سودانية.
كشف قائدٌ سابق في جهاز “الموساد” ديفيد بن عوزيل في كتاب صدر له قبل أسابيع قليلة في تل أبيب بعنوان “مهمة للموساد في جنوب السودان يوميات عملياتية”، النقاب عن مشاركة إسرائيل بشكل فعلي في حرب الانفصال التي اندلعت في الفترة بين عامي 1969 و1971..
هنا لابد من إماطة اللثام عن الأسباب الحقيقية التي تدفع بأذرع المؤسسة الأمنية الصهيونية، وهي الأهم في الكيان الصهيوني، إلى التحرّك في المنطقة العربية والعالم الاسلامي بهذه الروح العدائية.. في البداية لابد من الاشارة بسرعة إلى كون الكيان الصهيوني كيان عسكري أمني، وكما يقولون إنه جيش يبحث له عن مجتمع.. وطبيعة هذا الكيان الأمنية العسكرية تتولد مهمته الأمنية العسكرية خدمة للمشروع الغربي في تفتيت المنطقة وتكريس حالة التبعية والهوان فيها اقتصاديا وسياسيا.. وفي هذا الدور تكون قيادة الكيان الصهيوني تقوم بالدور المتاح للكيان الصهيوني في المنطقة.. هذا جزءٌ من المشهد، وهناك جزء آخر لابد من كشفه، وهو بمثابة إجابة على سؤال مفاده: لماذا هذا الاستهداف للعراق والسودان ولبنان وسوريا وسواها من الدول العربية والاسلامية في إفريقيا وأسيا؟..
من الواضح حجم التدخل الصهيوني في الاشتباك الداخلي في الدول العربية، ولا يمكن اعتبار أن أيا من هذه الدول في حالة حرب مع إسرائيل تستوجب كل هذا الجهد الاسرائيلي والإنفاق والمخاطرات بالنخبة الأمنية الاسرائيلية.. باختصار شديد نود أن يكون واضحا أن اسرائيل تقوم بهذه المهمة إنفاذا لاتفاقيات عميقة بين قادة اسرائيل وقادة المشروع الاستعماري الغربي قبل إنشاء الكيان الصهيوني، ومن هنا تتلقى اسرائيل الدعم المطلق من قبل الغربيين ويستمرّ تفوّقها الاستراتيجي مسألة لا نقاش فيها..
وكما هو معلومٌ، فإن المشروع الاستعماري الغربي يتجه نحو أمتنا بغاية واضحة محددة، إنه يمنع منعا باتا نهوضها.. ومن الواضح كذلك أن لا نهوض للأمة إلا بوحدتها أو تكامل أقاليمها وتعاونها وتقدّمها العلمي وتكريس الحياة الآدمية في مجتمعاتها السياسية والثقافية واستثمار طاقاتها المادية والروحية، ومن هنا تتحرك أدوات الغرب وأهمها إسرائيل لمنع النهضة والتصدي لها بعنف، وذلك من خلال إلحاق الهزائم بها عسكريا وتحطيمها، ومن ثم السير نحو عناصر القوة فيها وتشويهها وتبديدها أو استنزافها.. ومن هنا فقبل أن تفكر السودان بخطوات نحو الوحدة والتنمية والاستفادة من ثوراتها، يتم إشغال السودان بنفسه لتحطيم طموحاته وإيجاد قوى استنزاف لطاقته ودماء أبنائه..
هنا تطرح الأسئلة على أجهزة الأمن العربية والقادة السياسيين في الوطن العربي: كيف يتصرفون فيما تعيث المؤسسة الأمنية الاسرائيلية الفساد في مكونات مجتمعاتنا ومكوناتنا الاقتصادية والعلمية؟ أليس من الخبل أن نبني مؤسساتنا العلمية ونضع تصوراً لمشاريعنا الاقتصادية والتنموية ونحن غير منتبهين للمخاطر الأمنية من الغرب الاستعماري ويده الطولى اسرائيل؟ كيف تركنا العراق والسودان وليبيا وسورية وسواها مكشوفة الغطاء الأمني لننشغل بمعارك ثانوية؟ تولانا الله برحمته.