“المخابرات الفرنسية أوهمت بن علي أن انتحاريا تسلل إلى القصر فقررنا الهروب”!
تحاول السيدة القوية في تونس سابقا ليلى الطرابلسي الدفاع عن نفسها بشراسة في الكتاب الجديد الذي تم تأليفه نقلا على لسانها، وحمل عنوان “حقيقتي”، كما أنها تعترف للمرة الأولى تقريبا منذ اندلاع ثورة الياسمين التي أطاحت بزوجها زين العابدين بن علي، أن أسلوب حياة أسرتها ساهم في تلك الثورة، وهي تنفي تماما ما تردّد على أنها مجرد حلاقة شغلت منصب الرئيسة الفعلية لقصر قرطاج، ناهيك عن القول بأنها كانت مخلصة ووفية لزوجها، حيث لم تعرف رجلا غيره في حياتها، وبالتالي لا حقيقة لكل قصص العشق الممنوع التي قدمها الإعلام عنها، وبينها القصة الأخيرة عن البودي جارد الذي كان يرافقها في زياراتها المستمرة لباريس، عاصمة الجن والملائكة والحب!
ليلى التي حكمت تونس فعليا رفقة أشقائها منذ 1996، والمتواجدة حاليا بأحد القصور الملكية في جدة، حيث انعكفت على نفسها، وطوت حياة الملذات والسلطة والسفر المستمر، لا تتحدث أيضا مثلما كشفته تقارير إعلامية تم نشرها أمس، عن “الكآبة الشديدة” التي باتت تطاردها بين جدران القصر الجديد، تلك الكآبة التي قيل إنها دفعتها يوما لمحاولة الانتحار قبل أن يتم إنقاذها من طرف السعوديين، في الوقت الذي تعترف فيه أن أكثر من يعاني من الوضع الجديد، هو ابنها الصغير، لكن ايف درعي، وهو مدير دار النشر الباريسية التي تكفلت بطباعة وترويج كتاب “حقيقتي” نقل عن حاكمة قرطاج قولها إن انقلابا مدبرا أطاح بزوجها، واتهمت رجل ثقته الأول علي السرياطي مدير الأمن الرئاسي ورجل الأعمال كمال لطيف بكونهما مدبري ذلك الانقلاب، وذكرت ليلى أن “المخابرات الفرنسية أعلمت زوجها بأن انتحاريا تسلل في صفوف الحرس الرئاسي، وكان يعتزم القيام بمجزرة داخل عائلة الرئيس السابق، فخاف هذا الأخير على حياة ابنته تحديدا، التي كانت متواجدة معه، وقرر المغادرة فورا، علما أنه قال لابنته بأنهما سيتوجهان لأداء عمرة في السعودية حتى تهدأ الأمور”!، علما أن هذه الرواية تعد جديدة تماما، حيث سبق تناقل شهادات أخرى من القصر أثناء فرار بن علي، تشير إلى تقديم علي السرياطي تقريرا شفهيا له، يقول بأن الثوار التونسيين الغاضبين يزحفون بالآلاف نحو القصر ويريدون اقتحامه من أجل سحله رفقة أفراد أسرته!!
الكتاب حسب ناشره يعطي الانطباع أن الرئيس السابق وعائلته أجبروا على مغادرة البلاد، مشيراً إلى أن مؤلفته اعترفت ببعض أخطاء زوجها والمقربين منه، وردت على بعض المغالطات في كتاب “حاكمة قرطاج” وتحديدا القول بأنها كانت مجرد حلاقة أخذها القدر للرئاسة، وحلمت بأن تكون أول رئيسة عربية!
ويتضمن “حقيقتي” لليلى بن علي، جملة من المعلومات التي تفتح الشهية مجددا على رواية بعض أسرار تونس قبل سقوط الدكتاتور رغم أن فئات واسعة من التونسيين كذبته ودعت إلى تجاهله، مثل إدانة زوجة هذا الأخير لصهرها مروان المبروك بأنه أقنع دوائر القرار الفرنسية أن زمن ابن علي انتهى. وعلى هذا الأساس تحركت بعض الدوائر لإنهاء حكم زوجها، في الوقت الذي كان نيكولا ساركوزي يؤكد وقوف فرنسا إلى جانب النظام.
بورڤيبة في رسالة سرية لبن علي: “رجاء.. ارحمني وأطلق سراحي من السجن”!
وإذا كانت “الحقيقة” التي تبحث ليلى الطرابلسي عن روايتها “من وجهة نظرها الخاصة”، تنتظر ردة فعل التونسيين بعد النشر، علما أن المرأة القوية في العهد السابق وبحثا ربما عن التعاطف معها في الوقت الضائع، اتفقت مع الناشر على أن لا تستفيد من فلس واحد من مبيعاتها، بل تبرعت بها لجهة خيرية في تونس، فإن الأسرار التاريخية ما تزال تلاحق عهد زوجها، ومن ذلك ما تم نشره أول أمس عن رسالة تاريخية وجهها الزعيم الخالد الحبيب بورڤيبة لبن علي بتاريخ 3 ماي 1990 عندما كان واقعا تحت حكم الإقامة الجبرية. بورڤيبة حينها كان في سن الخامسة والثمانين وكان كل رجاه ومبتغاه من الرسالة أن ترفع عنه الإقامة الجبرية، لكي يتمكن من العيش مع أقاربه وعائلته وأن يتحوّل إلى مسقط رأسه دون قيود أو عراقيل، وهو الأمر الذي رفضه بن علي وأصر على إبقاء الزعيم تحت الإقامة الجبرية بشكل تعسفي فظّ، إلى حين وفاته. وتنقل جريدة الشروق التونسية عن مؤرخين ودارسين لتاريخ تونس الحديث قولهم إن أهم ما في هذه الرسالة هما نقطتان مختلفتان، ولكنهما شديدتا الارتباط. تتمثل الأولى في الحالة الصحية المتدهورة للزعيم بورڤيبة، وهو ما أثر على طريقة كتابة الرسالة وعلى لغتها. إذ يعرف المؤرخون أن بورڤيبة كان قبل ذلك قادرا على كتابة نصوص ممتازة باللغة الفرنسية، لكننا نجده هنا مضطرب الكتابة وعاجزا أحيانا عن إيجاد المفردات التي يبحث عنها، وعن اتقان التراكيب وكذلك عن الربط بين الأفكار. أما النقطة الثانية فتتمثل في أن الغاية الرئيسية من الرسالة كانت طلبه من بن علي إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية، حتى يكمل بقية أيام حياته بين أهله وأصدقائه وفي مدينته المنستير. لم تكن للزعيم بورڤيبة أية رغبة أخرى، وكانت حالته الصحية والنفسية متدهورة، ولكن بن علي عامله كما يعامل السجان سجينه، ورفض في نهاية الأمر هذا الطلب، بل إنه حتى وإن وقع نقله إلى المنستير فإن الإقامة الجبرية ظلت مفروضة عليه، وظلّ معزولا عن أهله وأحبابه.
هذه المعاملة حسب المصدر ذاته هي بكل التفاصيل سيئة جدا، وتدل على المستوى الأخلاقي لبن علي، وللذين كانوا حوله من وزراء ومستشارين ورؤساء مؤسسات تشريعية ودستورية، معاملة لم تتوقف حتى بعد سقوط النظام وهروب رجاله، وأبرز هؤلاء من يصفه التونسيون بالحوت الفاسد “محمد صخر الماطري”، وهو صهر بن علي الذي كان يعدّه للحكم رفقة زوجته ليلى، حيث يتواجد حاليا في قطر، ولكنه لم يتوقف عن ممارسة البلطجة السياسية التي تدل على مستوى أخلاقه الهابط، علما أن قطر، وبعدما قررت طرد مواطن تشابك معه، نقلت مصادر إعلامية تصريح ذلك المواطن، وهو محمد المسعودي، أن وزير الخارجية رفيق عبد السلام، المقرب من الدوحة، اتصل به وأخبره بأنه سيمنحه الحصانة الدبلوماسية، وذلك حتى يحفظ له مصالحه المادية والمعنوية. وأكد محمد المسعودي أن الحكومة قامت بمجهودها لمنع طرده من قطر بطريقة تعسفية قائلا “الحكومة طلبت مني رفع قضية ضد صخر الماطري حتى أحافظ على مصالحي”. ويُذكر أن محمد المسعودي مقيم بدولة قطر فقد عمله وإقامته بسبب مشاجرة مع صهر الرئيس المخلوع، صخر الماطري الذي فرّ إلى دولة قطر وذلك في المركب التجاري الذي كان يعمل به في الدوحة. وذكر المسعودي أنه تبادل العنف مع محمد صخر الماطري ووالدته عندما سمعه يتذمر من تواجد التونسيين في المركب التجاري، قائلا إن “التونسيين موجودون حتى في هذا المركب”.