العالم
يستعمل مسائل اللغة لتفتيت دول الجوار

المخزن يمتطي المؤتمر العالمي الأمازيغي لدعم “الماك” بالجزائر

الشروق أونلاين
  • 14547
  • 0
ح.م
ملك المغرب محمد السادس

تعود نشأة ما يسمى “المؤتمر العالمي الأمازيغي” أو “الكونغرس العالمي الأمازيغي” إلى سنة 1995 حينما أطلقه مناضلون في القضية الأمازيغية بهدف “الدفاع وترقية الحقوق السياسية والاقتصادية والمصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية للأمة الأمازيغية” هكذا تقول الأهداف المسطرة على الورق، غير أنه شهد انحرافا خطيرا عن السكة الثقافية البحتة منذ بدأت المخابرات المغربية تهتم بهذا الجسم الحقوقي بصفته منظمة غير حكومية منذ مؤتمره الثالث المنعقد بروبي بفرنسا.

تلك الدورة التي تقرر فيها تحويل هذه الجمعية إلى امتداد مخزني وملحق بسياسة القصر الملكي، هدفه زعزعة استقرار الجزائر ودول الجوار من خلال التوظيف الاستراتيجي للورقة الأمازيغية ضمن الأجندة المغربية في قضية الصحراء الغربية.

 ولهذا الغرض، انعقد المؤتمر الرابع في مدينة الناظور شهر أوت 2005، وبدا جليا أن المغرب الرسمي الذي احتضن أول دورة خارج دول المهجر طعّم المؤتمر بعناصره لفرض إستراتيجية تهدف إلى الدفاع عما أسماه الوحدة الترابية للمملكة، بمعنى خنق المطالب القومية لسكان الريف والصحراء الغربية داخلياً، مقابل الترويج الخارجي لفكرة الاستقلال الذاتي لمناطق في الجزائر لإحداث التوازن مع طرحه المقدّم بخصوص معالجة ملف الصحراء الغربية ليس وفق بند الاستفتاء وتقرير المصير للقضية المدرجة في أروقة الأمم المتحدة في إطار تصفية الاستعمار، بل وفقا لـخيار ثالث يسميه الاستقلال الذاتي الموسّع.  

وكان مقررا، وفقاً لتوصية المؤتمر الرابع، أن يُعقد المؤتمر الخامس بمدينة تيزي وزو الجزائرية، غير أن البيادق المغربية في المؤتمر بذلت المستحيل كي لا ينتقل إلى الجزائر، فحدث انشقاقٌ أولي بين فريقين يناضل أحدهما بعقده وفقا للوائح المؤتمر الرابع، فيما يدافع الجزء الآخر عن عقده بمكناس، بداعي رفض السلطات الجزائرية، فتمّ عقده بمدينة مكناس المغربية.


مستشار الملك يفخخ مؤتمر مكناس 

عقد المؤتمر الخامس بمكناس المغربية عام 2008، وقد دعيت للاجتماع جمعياتٌ تدور كلها في فلك حزب الأصالة والمعاصرة الذي يقوده فؤاد عالي الهمّة، الصديق الشخصي للملك محمد السادس ومستشاره الخاص للشؤون الأمنية والإستراتيجية، وفي هذا الصدد تكشف مجلة ثابرات الأمازيغية المهتمة بشؤون منطقة الريف المغربي، ومعناها الرسالة، بأن أغلب المدعوّين كانوا مقربين من رجال القصر الملكي، بل ومن مديرية حماية الإقليم، ومن مستشار الملك للشؤون الأمنية، تقول عقد بحضور جمعية التويزة من طنجة التي أسسها فؤاد العمري شقيق إلياس العمري المتعاون مع أجهزة الأمن المغربية رقم 0252، وعضو حزب البام، ورئيس بلدية طنجة، وعضو جمعية أسيد للتنمية المستدامة التي يقودها خالد زراري، أحد المدافعين الشرسين عن الملكية. 

المؤتمر الخامس عقد في مقر جمعية أسيد بمكناس، وكان واليها آنذاك هو حسن أوريد، الناطق الرسمي السابق للقصر الملكي المكلف بالملف الأمازيغي، واختير فتحي خليفة رئيسا للمؤتمر، وفتحي خليفة هذا هو صهر أحمد توفيق وزير الحبوس والشؤون الإسلامية الملكية، وطبعا أختير أعضاء المكتب كلهم من الوسط المقرّب من القصر، وبينهم شكيب الخياري، متعاون مع مديرية حماية الإقليم المخابرات تحت رقم 0331″  .

لم تتوقف فضائح المؤتمر عند هذا الحد المكشوف بالتصاقه وتحوله إلى آلة في يد النظام الملكي والذي تمكن من خلال سياسة لوبيينغ تنفق فيها ملايين الدولارات من أجل استقطاب جمعيات حقوقية وإعلاميين وكتاب من خارج المغرب للدفاع عن أطروحاته الخاصة بالمنطقة والمتعلقة بما تسميه مغربية الصحراء؟!” وتقرير مصير المناطق الأمازيغية؟!”.

 

التصنيع السياسي المضلل لحقوق الإنسان

سبق للخبير القانوني عزّ الدين زعلاني وأن دعا عام 2004 إلى ضرورة الصناعة السياسية لحقوق الإنسان لمواجهة مناورات المؤتمر العالمي للأمازيغية، حينما أكد أن هذه الجمعية غير الحكومية تتبنى مصطلحات ذات بُعد قانوني مثل حماية الشعوب الأصلية والتمييز العرقي وحماية أقاليم الشعوب الأصلية ومسار الرُّحّل، وهو المصطلح الأخير الذي برز لدى جمعيات غير حكومية سنة فقط بعد إنشاء المؤتمر العالمي الأمازيغي، وكان يهدف بالأساس لنسف جهود الجزائر التي نجحت دبلوماسيتها في الاتفاق الجزائري النيجري بخصوص قضية الأزواد الموقع سنة 1994، لإبقاء حال التوتر قائما جنوب الجزائر، وعند نقطة التحام مع حدودها السياسية الجنوبية، وقد ذكر المحلل القانوني أن ملف حقوق الإنسان وبعض مفاهيمه تحوّل إلى أداة إستراتيجية لزعزعة استقرار الدول من خلال مصطلحات تُنتَج في الغالب داخل مخابر قانونية ومجموعات عمل تابعة لدوائر مالية واقتصادية، بل ولشركات متعددة الجنسية تسعى في الأول إلى فصل تلك الأقاليم لأسباب ثقافية أو لغوية عن سيادة الدول للتصرّف فيما بعد في ثرواتها الطبيعية، مثلما حدث مع شعب الإنويت أو شعوب مكاتب الثروات الطبيعية في الأمازون، حيث تم تصنيع 400  شعب على الورق تبعاً للخارطة الجيولوجية المحددة للثروات الموجودة في إقليم لا يتعدى 50 كلم مربع، فصار لكل ثروة طبيعية شعبٌ حتى قيل تندّرا: شعوب الكوبالت والزنك والرصاص…


مؤتمر للأمازيغية أم للحركات الانفصالية؟

ليست مسألة الولاء بالنسبة للمؤتمر العالمي الأمازيغي مثار خجل وحساسية، فليس صعبا على مؤتمر فجّر أزمة أخلاقية كبرى عام 2009 حينما استقبل سيف الإسلام القذافي قيادته التي ترأسها بلقاسم لوناس وجام ساينز وخالد زيراري وشيخ باي، وتم التوقيع على بروتوكول تعاون لتطوير الأمازيغية في المدارس الليبية برعاية سبونسورينغ مؤسسة القذافي للتنمية، حيث أثار الاتفاق بين نظام القذافي الذي لا يعترف بالمكوّن الأمازيغي والمؤتمر رائحة تعاملات مالية مريبة ليست غريبة على النظام الليبي في تعاملاته السخية مع المنظمات والجمعيات الدولية.

 ولم تنته تلك الفضيحة، حتى قام المؤتمر بإرسال رسالة ولاء لملك المغرب يهنئه فيها على الجهود التي تبذلها المملكة لفائدة الأمازيغية، فائدة منعت المؤتمر من التنديد أو حتى بالإشارة لمرة واحدة للأحداث التي شهدها إقليم الريف بالمغرب إلى درجة دفعت مناضلي الريف إلى التنديد بالمؤتمر العالمي الأمازيغي الذي صار يمنح من جهة مقابلة شرعية لسلطة تقمع المنطقة، وعبّرت مجلة ثابرات عن ذلك بقولها خلال المؤتمر السابع المنعقد شهر أوت 2015 بأغادير حضر ممثلو جميع الحركات الأمازيغية بالعالم إلى المغرب عدا ممثلو حركة الريف المغربي.

وخلال المؤتمر الذي عقد كما جرت العادة بالمغرب، تطرّق المشاركون بشدّة إلى أحداث غرداية دون كلمة واحدة عن أحداث مماثلة بالريف المغربي: أحداث بوكيدان، الحسيمة، أحداث إحياء ذكرى معركة أنوال 2015 ولا غرو في ذلك، فكيف يقدر مؤتمر على انتقاد من يحتضن فعالياته ويموّله ويشرف على مقره الدائم بالعاصمة الرباط؟

واللافت أن عناصر المؤتمر الذين يتشكلون من مغاربة موالين للقصر ورجالاته ومخابراته ومن مناضلين من الجزائر والمهجر وتونس وليبيا، لا يركزون بشدة سوى على المناطق المتواجدة بالجزائر، بل إن انتخاب الجزائرية كاميرا نايت سيد رئيسة للمؤتمر، وهي ناشطة في ما يُسمى حركة الحكم الذاتي لمنطقة القبائل (الماك) لفترة الثلاث سنوات المقبلة له دلالاتٌ تتقاطع حول رغبة القصر في استعمال ورقة (الماك) ضد الجزائر ليس خدمة للقضية، بل لتحقيق مقايضات سياسية مفضوحة. 

 

وأثارت هذه الانحرافات حملة تنديد من طرف جمعيات أمازيغية عدة باتت ترى أن الولاء لمنظمة غير حكومة للحكومة المغربية يؤزم القضية الأمازيغية ويحوّلها إلى أداة مجرورة ومضافة لطموحات سياسية وإستراتيجية ستؤدي حتما إلى تشرذم المسألة الثقافية ودخولها معترك المطب السياسي الإثني الملغم، حيث السياسة صراعات مصالح وحروب باردة ونفاق وخداع وتضليل وبيع وشراء ذمم!

مقالات ذات صلة