المدارس القرآنية… ملاذ الأولياء لتربية الناشئة
تعد المدارس القرآنية المنتشرة عبر مختلف ولايات الوطن، واحدة من بين الأماكن، التي تستقطب أكبر عدد من الأطفال والشباب، حرصا من الأولياء على ترسيخ التربية الدينية لأبنائهم، وأصبحت المساجد والمدارس القرآنية، الوجهة الأولى خلال العطلة الصيفية لحفظ وترتيل كتاب الله.
ولعل من بين أهم المدارس القرآنية القديمة، مدرسة أبو عبيدة بن الجراح الواقعة ببلدية مرين في جنوب ولاية سيدي بلعباس، حيث تعد هذه المدرسة من أقدم المدارس القرآنية بالمنطقة، التي كانت فيما سبق كنيسة مسيحية، أنشئت سنة 1890، لتتحول غداة الاستقلال، الى أول مسجد بدائرة مرين، إلى غاية سنة 1987، أين حولت إلى مدرسة قرآنية، وفي هذا السياق، صرح الإمام المدرس وشيخ هذه المدرسة القرآنية “بلقرون خالد” للشروق اليومي، أن هذه الأخيرة تستقطب أعدادا كبيرة من شباب وأطفال المنطقة، خاصة خلال المدرسة الصيفية، التي تنطلق منذ بداية العطلة المدرسية الصيفية الرسمية، وإلى غاية الدخول المدرسي، إذ بلغ عدد المنتسبين لها خلال هذه الصائفة أكثر من 250 تلميذا، من الجنسيين ومن فئات عمرية مختلفة، تم توزيعهم على أفواج بين الفترة الصباحية والمسائية .
إحياء التكرار والحلقات الجماعية
وبيّن الشيخ أهمية التعليم القرآني في تربية الناشئة، حيث قال “إنه على الأسر اليوم الالتفاف حول التعليم القرآني، الذي هو مركز التربية الصحيحة والسليمة لأبنائهم، نظرا للقيم والأخلاق التي يغرسها في شخصياتهم منذ الصغر”. اما عن طريقة تحفيظ القرآن، أوضح الشيخ، أنه يعتمد على الحفظ ضمن حلقات جماعية، حيث يساعد التكرار الطلبة على ترسيخ السور في الذاكرة، زيادة على ذلك، تعد طريقة تحفيظ القرآن عن طريق اللوح، الأكثر شيوعا في المدارس القرآنية الجنوبية، لحكمة في ذلك، تعود حسب الإمام، إلى أنها تسهل على الطالب معرفة قواعد الرسم القرآني، كما أنها تمكنه من حفظ وترسيخ القرآن حفظا جيدا متقنا.
وأكد الإمام “بلقرون خالد” أن ابواب المدرسة القرآنية، تظل مفتوحة حتى بعد الدخول المدرسي، إلا أن مواقيتها تتكيف مع مواعيد الطلبة، على حسب توقيتهم الدراسي أو حتى مواقيت الدروس الخصوصية، معايير تأخذها المدرسة بعين الاعتبار عند توقيت الأفواج الراغبة في مواصلة حفظ القرآن خلال الموسم الدراسي .
حفظة كتاب الله في صدارة المتفوقين دراسيا
تختلف أعمار، وأجناس الطلبة، الذين يجتمعون بقاعة المدرسة القرآنية، يرددون ما تسير من كتاب الله، مشهد وقفت عليه الشروق اليومي، أين تقربت من بعض الطلبة، فكان الحديث مع التلميذ “محمد” المتمدرس بقسم الخامسة ابتدائي، الذي قال بأنه تمكن من حفظ 31 حزبا، بفضل مواظبته على حضور دروس الحفظ سواء خلال العطلة الصيفية أو حتى في أيام الدراسة العادية .
الطالبة “وفاء” تدرس بقسم الثالثة متوسط وهي حافظة لـ33 حزبا بأحكامها، دعت بقية زملائها للانضمام إليهم في دروس حفظ القرآن، نظرا لفوائدها، قائلة بأن حفظها للقرآن في سن مبكرة، ساهم في تنمية قدراتها اللغوية، وقوى ذاكرتها، فهي اليوم تتمتع بسرعة الحفظ، ما سهل عليها الدراسة وتبوأ المراتب الأولى، على مدار السنوات الماضية .
أما الطالب “إلياس” المتمدرس في قسم الرابعة متوسط، فأوضح بأنه يحفظ 20 حزبا، ومنذ تاريخ التحاقه بالمدرسة القرآنية، لم يتغيب ولو ليوم واحد عن حضور حلقات الحفظ الجماعي، وهذا ما علمه الالتزام والانضباط حتى في حياته الشخصية، ما جعله يحقق المراتب الأولى في دراسته.
وتعتبر هذه المدارس القرائية، قبلة العديد من الأطفال والشباب في الجنسين، الراغبين في ترتيل وحفظ آيات الله، ما شجع الأئمة على تبني مشاريع تعليمية، قصد تفعيل عمل هذه المدارس، حتى لا تقتصر خدماتها على حفظ القرآن، وبهذا الصدد يرى إمام معتمد للمدارس القرآنية المتواجدة ببلدية مرحوم، بأن جميع المدارس القرائية المنتشرة بالمنطقة الجنوبية للولاية، يتزايد عدد منتسبيها ليفوق السبعين طالبا، رغم ضيق مساحتها، ما يدفع بمسيريها إلى الاعتماد على نظام التفويج، مضيفا بأن المدرسة التي تضم حاليا حوالي 100 ساع لحفظ القرآن، مختلطين بين إناث وذكور وفي مختلف الفئات العمرية، دفع بالأئمة إلى التفكير في وضع مشروع تعليمي، مساعد للبرامج التعليمية، لاسيما الابتدائية منها، على أن يتماشى أيضا مع مواقيت التعليم، قصد إثراء الخدمات التعليمية المقدمة على مستوى هذه المدارس القرائية، حتى لا يكون الانتساب إليها مقترنا بالعطل والمناسبات الدينية فقط.
لذلك تدعمت المدارس القرآنية، بمنظومة تربوية تعليمية، في سبيل إثراء نشاطها، لمساعدة هؤلاء التلاميذ على الاندماج السريع في المدارس الابتدائية، عن طريق تقديم دروس لهم حول قواعد وأبجديات اللغة العربية وبطريقة مبسطة، ناهيك عن تعليمهم الآداب والسلوكيات الصحيحة لبناء مجتمع سليم، ما يعزز اليوم أهمية الكتاتيب والمدارس القرآنية في تعليم الخط وأساسيات اللغة العربية.
أفضل استثمار في الأبناء
ولا يعتبر الإقبال على المدارس القرآنية حكرا على البلديات الجنوبية للولاية، بل حتى التجمعات السكنية الكبرى، على غرار عاصمة الولاية، هي الأخرى تعج مدارسها سواء الخاصة، أو التابعة للمساجد، بالطلبة الراغبين في حفظ كتاب الله، فمنهم من ينخرط في أفواج، تركز على الحفظ الجماعي، ومنهم من يعتمد على مدرسين خواص لحفظ كتاب الله، وبين هذا وذاك، يعد حفظ القرآن افضل استثمار في الأبناء الصغار والكبار، الأمر الذي تؤكده السيدة “رشيدة”، التي قالت في حديثها مع الشروق اليومي، إنها ومنذ التحاق ابنتها بالمدرسة القرآنية، منذ سنة تقريبا، تطورت إمكاناتها، وأصبحت سريعة الحفظ، ولم تعد اليوم تجد صعوبة في حفظ ومراجعة دروسها، وأضافت المتحدثة وهي أم لطفلة عمرها 9 سنوات، أنها تستعين بمعلمة خاصة، من أجل تحفيظ القرآن لابنتها، وكذا مساعدتها على تكرار الآيات التي سبق وأن حفظتها، قائلة “إنني أحاول أن استدرك ما فاتها طيلة العام الدراسي، لأن ابنتي تتوقف عن أخذ الدروس القرآنية، بسبب كثرة المواد التي تدرسها”.
أما السيدة “فادية”، فقالت بدورها، إن هذه هي المرة الأولى التي تسجل فيها ابنها المنتقل إلى السنة الثالثة ابتدائي بمدرسة قرآنية، بعد ان نصحها بذلك عدد من الأولياء، من أجل مساعدته على التحكم في مخارج الحروف جيدا، وكذا الاسترسال في قراءة نصوص اللغة العربية، وكذا السرعة في حفظ الدروس مستقبلا، مردفة بالقول، إن ابنها أصبح كل يوم متحمسا للالتحاق بقسم المدرسة، من أجل حفظ ما تيسر من آيات الله تعالى.
السيدة “خيرة” أثنت بدورها على فضل القرآن، في تخليص ابنتها من عسر القراءة، الذي كانت تعاني منه لسنوات، قبل ان تلتحق بحلقات حفظ كتاب الله منذ سنتين تقريبا، وهي اليوم تتمتع بفصاحة جيدة بفضل القرآن الكريم .