المدينة القديمة “السويقة” تدخل مخبر الترميم بقسنطينة
ضغط السياح الأجانب، الذين تضاعف عددهم هذا الخريف، صار يفرض على السلطات الإسراع في تهيئة المدينة القديمة، التي أصبحت مزارا يوميا ومحطة، يجب التوقف فيها للوفود البولونية والإيطالية والفرنسية والصينية وغيرها التي صارت تأتي خصيصا لتعيش العراقة في واحدة من أعرق المدن في العالم.
في قسنطينة، هناك محطات يتوقف عندها السياح الأجانب من جسورها الثمانية إلى متحفيها “سيرتا” و”قصر الباي” إلى مساجدها من “العتيق” إلى “الأمير عبد القادر” وجامعتها التحفة الهندسية “منتوري”، ومواقعها الرومانية وأهمها “تيديس” و”نصب الأموات” وطبعا المدينة العتيقة الممتدة من السويقة إلى القصبة مرورا برحبة الصوف والجزارين والرصيف والأربعين شريف وسيد الجليس التي عرفت مؤخرا زيارة تفقدية لوالي قسنطينة الجديد، كمال الدين كربوش، الذي تابع عن كثب بعض الترميمات التي تدخل ضمن ما تم برمجته خلال زيارة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون إلى قسنطينة، التي استفادت من أغلفة مالية هامة من أجل أن تسترجع أنوارها التي عرفت بها منذ ما قبل العهد العثماني.
في الأزقة الضيقة هناك بعض عمليات التأهيل التي تبدو بطيئة جدا ولا تحقق الإجماع في نوعيتها من خلال نزع الحجارة القديمة وتعويضها بحجارة دون نوعية حجارة عمرها ثلاثة قرون، وهذا في المنطقة المحفوظة، وشملت ثمانية أزقة في السويقة من بينها شارع الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي يضم البيت الذي ولد فيه العلامة في ديسمبر من سنة 1889، وهو البيت الذي تم ترميمه منذ 10 سنوات بمناسبة تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2016، ولكن بطريقة ارتجالية أفقدته هندسته القديمة.
الجميل في زيارة والي الولاية إلى المدينة القديمة هو إلحاحه على ضرورة التسريع في الإجراءات الإدارية والتقنية لأجل إطلاق أشغال المراحل المتبقية والتي تعني تزيين واجهات الدكاكين الصغيرة الموجود في السويقة، والتي مازالت ملجأ لأهل المدينة ومدن الشرق الجزائري الذين يقتنون منها القهوة والأكلات التقليدية والكثير من الأغراض، كما حرص على ضرورة التنسيق المحكم والمتابعة الميدانية المستمرة، والتقيد بالمعايير التقنية والمعمارية والفنية والهندسية المعتمدة، بما يضمن الحفاظ على الطابع التاريخي والخصوصية العمرانية للمدينة القديمة وصون هويتها وأصالتها.
وقد سجل والي الولاية ملاحظات مواطنين من سكان المدينة القديمة ومن عشاقها حيث اقترح أحدهم إقامة حدائق صغيرة للورود فقط في الأماكن التي تهدّمت ونافورات صغيرة، واقترح آخر جداريات تحاكي عظماء المدينة مثل الشيخ عبد الحميد بن باديس والمفكر مالك بن نبي والأدباء رضا حوحو ومالك حداد وكاتب ياسين وغيرهم.
في الوقت الذي ثمّن مرشدون سياحيون الالتفات إلى المدينة القديمة، وكانوا قد نبهوا في العديد من تغريداتهم إلى أن السياح الأجانب يطلبون دائما زيارة السويقة والقصبة ورحبة الصوف، ولكن هذه المواقع توجد في وضعية صعبة جدا وسط الردوم والقمامة، ولكن خطوة رئيس الجمهورية لترميم المدينة القديمة ودخول مصعد “سيدي مسيد” و”درب السياح” مرحلة التفكير في بعثهما هو خطوة لأجل أن تواصل قسنطينة انطلاقتها الصاروخية كمدينة سياحية فريدة من نوعها.
يحدث هذا في قلب فعاليات الاحتفال باليوم العالمي للسياحة تحت شعار “الأجندة الرقمية والذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم السياحة”، الذي تنظمه مديرية السياحة والصناعة التقليدية لولاية قسنطينة، بالتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف ومتحف الفنون والتعابير الثقافية وقصر الحاج أحمد باي، الذي يحتضن معرضا سياحيا توجد فيه المدينة القديمة كقطعة في المشهد السياحي القسنطيني، مع تنظيم ملتقى فكري تحت عنوان: “التحول الرقمي والسياحة المستدامة.. نحو إستراتيجية رقمية لتعزيز الوجهة الوطنية”، والذي دمج تقاليد المدينة ولباسها وأكلاتها وحليها مع عراقة وعمران المدينة العتيقة.