المدّخِرات سرّا من رواتب أزواجهن.. سارقات أم حاذقات؟
مازلت أذكر جيدا، مقدار الانبهار الذي انتابني وزملائي، أيام الدراسة، بعد قراءتنا نصا عن امرأة تُدعى مريم الصنّاع، التي استطاعت، بفضل اقتطاعها واقتصادها من مؤنة البيت، أن تُجهز ابنتها للزواج، رغم فقر زوجها، الذي كان مُمتنا لصنيعها الذي جعلها في نظره ونظرنا امرأة ذكية، مقتصدة، وحاذقة. ولكن، لا أحد فينا استطاع حينها أن ينظر إلى صنيعها من زاوية أخرى، كأن لا تكون مثلا امرأة حاذقة، وإنما هي سارقة استغفلت زوجها لسنوات، دون أن يعلم شيئا عن ادخارها السري. هذا السلوك، باتت تنتهجه الكثير من الزوجات في مجتمعنا. فكيف سيؤثر ذلك على سير ومستقبل الأسرة والعلاقة الزوجية؟
الغاية تُبرّر الوسيلة
الادخار السرّي من راتب الزوج، يعني أن تقوم الزوجة خفية عن ذلك الأخير، باقتطاع، أو بتعبير أصح، سرقة نسبة من ذلك المال، لتقتصدها لنفسها، أو لتنفقها لاحقا على قضاء حاجياتها أو حاجيات أسرتها. ومهما اختلفت الغاية، فإن وسيلة الوصول إليها مُبررة دوما من كل امرأة تقوم بذلك، كالسيدة حميدة، التي تتهم زوجها بكونه “إنسانا مبذرا، شعاره في الحياة: اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب، عكسي تماما.. فأنا أخشى تقلبات الدهر، وأحسب حساب نوائبه ومصائبه. لهذا، أعمد دوما إلى إخفاء القليل من مصروف البيت، لأجمع لاحقا مبالغ مالية لا بأس بها، أنفقها حينما تضيق بنا الأحوال”.
أما السيدة نجاة، 26 سنة، فتبرر ادخارها السري من مال زوجها بأن هذا الأخير: “بخيل وشديد التقتير علينا في النفقة. وهذا، الذي كان يُشعل الخصومات بيننا، إلى أن نصحتني إحدى صديقاتي بأن أكون حاذقة وذكية في التعامل مع الأمر. وأشارت علي بمسألة الادخار السرّي من راتبه.. فآخذ ما يكفيني، دون أن أدخل معه في صدامات”.
“اللي ما قرات للزمان عقوبة تعيا على راسها مكبوبة”
وعلى ذكر الأعمال ونياتها، فإن هذه الأخيرة، قد لا تكون سليمة دوما، إذا ما تعلق الأمر بالادخار السري، إذ هي أحيانا قد تكون أسود من قرن الخروب، مثلما هي الحال مع أم الخير، المتزوجة من ابن عمها، العامل بشركة سونلغاز، منذ ما يقارب العقدين من الزمن. يتقاضى راتبا جيدا، ولكن، رغم ذلك، لم تظهر عليه آثار النعمة، إذ لا يزال يعيش في بيت متواضع، ويمتلك سيارة قديمة. والسرّ في ذلك، اسمه أم الخير، التي تعترف قائلة: “أنا بنت وحيدة لأم مطلقة، نصحتني منذ خطوبتي بألا أغلط غلطتها، ولا أترك زوجي أبدا يجمع مالا كثيرا أو يكوّن ثروة، لأن أول ما سيفكّر فيه حينها هو الزواج من أخرى. لهذا، أنا أنفق من ماله بلا شفقة. وأدّخر من راتبه دون علمه، خاصة بعدما فعلها أخوه الأصغر، وتزوج على امرأته بعدما استغنى.”
كما تحدّثنا السيدة ابتسام عن قريبة لها، كان زوجها قد فتح حسابات بنكية لكل أولادهما. وحينما كانت تطالبه بأن يفعل معها نفس الشيء، كان يرفض. ولأنها كانت تؤمن بشدة بأن “اللي ما قراتش للزمان عقوبة، تعيا على راسها مكبوبة”، فلقد راحت تدّخر سرّا من مال زوجها، الذي صدقت نبوءتها فيه، حينما طلّقها وتزوج بأخرى بعد 25سنة زواجا. فكان ذلك المال الذي جمعته خفية عنه، عزاءها الذي جنبها الخروج من تلك العلاقة بخفّي حنين.”
سارقات لا حاذقات
وطبعا، لضحايا هذا الادخار السري وجهة نظر مندّدة به، فالسيد سفيان، 36 سنة، يدعو إلى ضرورة التوقف عن تسمية الأشياء والأفعال بغير مسمياتها، لإضفاء طابع الشرعية عليها. فالسرقة، كما يقول: “تبقى سرقة، حتى لو أطلقنا عليها مصطلح الادخار السرّي.”
كما يرفض فؤاد مبدأ الغاية التي تُبرّر به المدخرات سرّا من مال أزواجهن فعلتهن، لأنه كما يقول: “مبدأ مكيافيلي حقير، لا يصلح لأن يكون أساسا لعلاقة زوجية متينة. وهو والسرقة وجهان لعملة واحدة، وهو استغباء واستحمار للرجل، بدليل أنني أعرف مُغفّلا، ظلّت زوجته لسنوات تقتطع من ماله الخاص، لتُنفقه لاحقا على أهلها الميسورين. وحينما اكتشف أمرها بالصدفة، كاد يطلقها.”
وعن مُغفّل آخر، يُحدثنا مهدي قائلا: “هو خمسيني، كان متزوجا من شابة في عمر بناته. وكانت تدّخر سرّا من ماله الخاص، لتُنفقه لاحقا على عشيقها، الذي كانت على علاقة به قبل زواجها بصاحبنا، الذي اكتشف خيانتها وادخارها السرّي من ماله، فور اكتشافه امتلاكها حسابا بنكيا دون علمه. والنهاية، طبعا، كانت فضيحة مدوية وطلاقا بائنا.”
أرضية هشّة لزواج مبني على الشك
ورد في الحديث النبوي الشريف، قالت هند امرأة أبي سفيان: “يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح ليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه.” فقال: “خذي ما يكفيك وولده بالمعروف.” والمراد بالحديث، أخذ ما لابد منه، وما هو ضروري فقط. أما ما تفعله بعض الزوجات من ادخار سرّي لمال أزواجهن، فهو لا يمكن اعتباره أبدا– بحسب أخصائيي علم الاجتماع– أساسا سليما لعلاقة زوجية قوية ومتينة، بغض النظر عن دوافعه. كما يمكن لهذا السلوك أن يصبح معول هدم لعلاقة زوجية قائمة على أرضية هشة.
لهذا، ينصح الخبراء بالشفافية التامة والوضوح، في ما يتعلق بالمسائل المالية بين الزوجين. وكبديل للادخار السرّي، يمكن للزوج تخصيص مبلغ مالي معين لزوجته، لتقتصده أو لتنفقه في ما تشاء.