الرأي

“المرأة الجزائرية في زمن الاحتلال.. ضحية الوحشية الفرنسية”

بقلم: عائشة بنور
  • 752
  • 0

قصصهن كثيرة وحكاياتهن مرعبة وكلّ واحدة تسكنها ذاكرة معطوبة من شدّة التعذيب والسجن في الزنازين الباردة، إذ من الصعب رصد حجم المعاناة والترهيب النفسي الذي عانته المرأة الجزائرية في ظل وحشية المستعمِر الفرنسي، لكن أقول إنني حاولت قدر المستطاع الإلمام أو ربما قاربت تسجيل هذا النضال المجيد وهذه الوحشية الدامية والوقوف عليها من خلال كتابي الصادر مؤخرا: “المرأة الجزائرية في الثورة الجزائرية. حقائق وشهادات” وهو وثيقة تاريخية يمكن للقارئ وللباحث الجزائري الوقوف عندها.

حينما نقول المرأة الجزائرية نذكر مسيرتها التاريخية في البناء الحضاري للدولة الجزائرية، إذ عُرفت بمواقفها النضالية، وبأعمالها البطولية أثناء الثورة التحريرية فدوّنت اسمها في سجلّ الخالدين بحروف من ذهب.

نضال المرأة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي كان وسيبقى شعلة مضيئة في ذاكرة الجزائريين والشعوب العربية والعالم، إذ لا يختلف اثنان على أنّ الاستعمار الفرنسي هو استدمار، فمنذ احتلاله الجزائر سنة 1830م وما قام به في حق الشعب الجزائري الأعزل هو جريمة ضد الإنسانية باغتصاب أرضه وارتكاب أبشع الجرائم والمجازر الرهيبة بحقّه، وهذا ما تؤكده هذه الرسالة لأحد الضباط، أرسلها إلى صديقه بفرنسا يوم 6 جوان، يكتبها بمرارة، جاء فيها:

“صـــديقي جون، إنّي لم أشعر بالنفور والكراهية والاشمئزاز في حياتي كما شعرت بها هذه المرّة أمام أعمالنا الوحشية، إنّ الألمان يعتبرون أطفالا صغارا بالقياس إلينا؛ فقد شاهدت المكتب الثاني لجنود المظلات كيف يستجوب المعتقلين، إنهم يعذبونهم طوال النهار إلى أن يدلوا بمعلوماتـهم، ويستعملون معهم التّعذيب بالماء إلى أن يخرج الماء من جميع أنحاء الجسم، ثم يربط الجنود أيدي المساجين وراء ظهورهم ثم يعلّقونهم في الفضاء من أيديهم حتى تتمدد المفاصل ثم يوجعونهم ضربا، وزيادة على هذا يستعمل الكهرباء أيضا في تعذيب المساجين بوضع سلك كهربائي في العضو الجنسي والسلك الآخر في الرأس ثم يُمرر التيار الكهربائي في دفعات متتالية، وتنتهي العملية أخيرا بإثبات سكين في الظهر. إنّ جميع رفقائي في الفرقة ساخطون وكارهون ومشمئزون من أساليب الاستجواب هذه، ومما يلاحظ أن الحكام والمثقفين الفرنسيين عندما ينددون بهذه الأساليب الوحشية إنما خوفا على جنودهم من أن ينزلقوا إلى الفاشيستية أو أن تؤثر أساليب التعذيب على اتجاههم الفكري. أمّا أعمال القمع الجماعي والاغتصاب والتعذيب للجزائريين فلا تهمّهم.”

من خلال هذه الرسالة وغيرها ندرك حجم الجريمة التي اقترفها المستعمِر الفرنسي بحقّ الشعب الجزائري .

وإذا ما عدنا إلى موضوع المرأة الجزائرية في زمن الاحتلال فإني أقول: لقد شكّلت المرأة الجزائرية آنذاك العنصر الأساسي في حلقة الثّورة الجزائرية، فعانت من أنواع التّعذيب ما كان له آثار نفسية عميقة ورهيبة، وإنّ انخراطها في الثّورة أذاقها مرارة الفاجعة في الأهل والزّوج والأخ والولد، لكن ذلك لم يثنِها من مواصلة طريق الدم من أجل حرّية وطنها وشعبها. لقد تدرّبت المرأة الجزائرية إبان الثورة المجيدة على مهام مختلفة، نظرا للمرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد آنذاك، وتقلّدت داخل الجبهة مسؤوليات مختلفة في اللجان السياسية والإدارية والفدائية، وكل الأعمــال التي من شأنها مساعدة الثّورة على مواصلة طريقها المسلح كالتدرب على السلاح، والتمريض والشؤون الإدارية والكتابة على الآلة الراقنة لإعداد المنشورات، وكتابة التقارير، وإيصال الاشتراكات، وجمع الأموال، بالإضافة إلى الجانب التوعوي والإرشاد.

كما يصور كتاب “المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية.. حقائق وشهادات” همجية الاستعمار الفرنسي في استعمال وسائل العنف الوحشية ضد المرأة الجزائرية، وفي لحظات تاريخية نادرة تعاظم فيها التعذيب السادي من طرف الجلادين وتسامى فيها حب الجزائـر، رسمت فيها المرأة الجزائرية رمز الإنسانية التوهّج والتمجيد والتحـدي، فمنحتها الثورة الجزائرية التحرر والمصير المشترك.

وهنا يمكن الحديث عن فئة أخرى كان لها دورٌ في مناهضة الظلم والطغيان وهي المرأة الفدائية، زارعة القنابل في المدن، هنّ مجموعة من النّساء الجزائريات الفدائيات، كلِّفن بأعمال تجاوزت طبيعتهن البيولوجية، كنّ يتميّزن عن غيرهن بالشّجاعة الفائقة، والصّبر الشديد، والجمال الساحر، كنّ يضعن القنابل في الأماكن التي يرتادها العدو كالمقاهي، ومراكز تجمُّعهم، وحسب الخطة المرسومة لهن، يجري كل ذلك في وضح النّهار بإرادة صلبة، وطول نفَس تمتلكه الشّابة الفدائية، وإيمانها القوي بالثّورة الجزائرية.

لقد استنفرت الإدارة الفرنسية كل جهودها للقضاء على هـذه الفئة من النّساء الفدائيات، وما إن يتمّ القبض على إحداهن حتّى تتعرض لكل أنواع التعذيب، وهتك العرض، والتمثيل بأجسادهن من أجل الحصول على معلومات منهن.

وبعد كل المحاولات في الإدانة، أو الاعتراف، والتي تبوء بالفشل يُحكم عليهن بالإعدام أو بالسجن المؤبد وخير دليل على ذلك ما تعرّضت له جميلات الجزائر (جميلة بوحيرد، جميلة بوعزة، جميلة بوباشة) في أثناء القبض عليهن ومحاكمتهن وقرار إعدامهــن من طرف المحاكم العسكرية الفرنسية. مثلا المجاهـــدة جميلــة بوحيرد تحوّلت إلى أسطورة تاريخية فكُتب عنها ما يقرب من 450 قصيدة (كتبها 171 شاعرا عربيا)، كتبها أشهر الشعراء في الوطن العربي مثل نزار قباني، صلاح عبد الصبور، عبد المعطي حجازي، بدر شاكر السياب والجواهري وعشرات آخرين.

في هذا الكتاب “المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية.. حقائق وشهادات” حاولت قدر المستطاع رصد حياة أكبر عدد ممكن من المناضلات والمجاهدات اللوّاتي كانت لهن بصمات هامة في مسيرة المقاومة الجزائـــرية أمثال: فاطمة نسومر، وخلال ثورة التحريـــر الوطنية:حسيبة بن بوعلي، مليكة قايد، مريم بوعتورة، فضيلة ومريم سعدان، يمينة أوداي (لازليخة)، صليحة ولد قابلية، سامية لخضاري، جميلة بوحيرد، جميلة بوباشا، جميلة بوعزة، زهرة ظريف، لويزة اغيل احريز، وريدة مداد، صفية بلماضي، نادية صغير، حليمة بن مليك، فاطمة بوجريو، مليكة العمري، جميلة إبراهيم، فاطمة نعماوي، خيرة قرن، زهور زيراري، سليمة الحفاف زوجة بن يوسف بن خدة، باية الكحلة، مامية شنتوف، نفيسة حمود، جانين بلخوجة، زليخة بقدور، مريم بلميهوب زوجة زرداني، ليلى موساوي، نسيمة حبلال السكرتيرة الشخصية للبطل عبان رمضان، زهور ونيسي، فاطمة خليف، بايت مسعودة، أوزقان فطومة، عزة بوزكري، حميدي فاطمة المدعوة فاني، خديجة لصفـر خيار، بلغنبور فريدة… الخ، بالإضافة إلى دور المرأة في حياة الأمير عبد القادر، وما أدّته أمه لالّة الزهرة وزوجته خيرة في حياته الاجتماعية والسياسية من إبداء الرأي السديد والمشورة وتقديم النصح.

من جهة أخرى ضمّ كتاب “المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية.. حقائق وشهادات” التعريف بصديقات الجزائـر وذكر مواقفهن الباهـرة أمثال المناضلات: آني ستينـــر، جاكلين نيتر قروج، المجاهدة “ايليات لو” أو فاطمة الزهراء المرأة التي أسلمت من أجل الجزائر، ايفلين لافاليت، جاكلين أورانغو… وغيرهنّ.

بالإضافة إلى أقـــوال وشهادات لمجاهدات على قيد الحياة وكذا أشعار كُتبت في السجون مثل أشعار باية حسين، وزهور زراري، كذلك يتضمن الكتاب قوائم بأسماء فدائيات وبعض مناضلات المناطق، ورسائل شهداء كُتبت في السجون أمثال رسالة الشهـيـد زبـانـة إلى أمه، والرسالة التي كتبتها حسيبة بن بوعلي إلى والديها، ورسالة مريم سعدان إلى والدتها ورسالة بخط لالة زينب ابنة الشيخ محمد بن بلقاسم الهاملي، شيخ زاوية الهامل، ورسالة زيزة مسيكة إلى أهلها، وفي النهاية بيبليوغرافيـا الممرضات من (1954ـ 1962)، كذلك قوائم بأسماء المواطنات اللوّاتي تبرَّعن بمجوهراتهن مساندة للثورة (1957-1958) وفيدائيات من مختلف المناطق…

…”لم أشعر بالنفور والكراهية والاشمئزاز في حياتي كما شعرت بها هذه المرّة أمام أعمالنا الوحشية، إنّ الألمان يعتبرون أطفالا صغارا بالقياس إلينا؛ فقد شاهدت المكتب الثاني لجنود المظلات كيف يستجوب المعتقلين، إنهم يعذبونهم طوال النهار إلى أن يدلوا بمعلوماتـهم، ويستعملون معهم التّعذيب بالماء إلى أن يخرج الماء من جميع أنحاء الجسم، ثم يربط الجنود أيدي المساجين وراء ظهورهم ثم يعلّقونهم في الفضاء من أيديهم حتى تتمدد المفاصل ثم يوجعونهم ضربا، كما تُستعمل الكهرباء أيضا في تعذيب المساجين…”.

ومن خلال هذا الكتاب، بعث نضال المرأة الجزائرية المجيد إلى جيل الاستقلال وإلى تخليد مآثرها وتمجيد نضالها والاحتفاء بها، ومن جانب آخر يرمي إلى كشف النّقاب وإماطة اللثام عن الجرائم المرتكبة من قبل جيش الاستدمار الفرنسي في حقّ المرأة الجزائريّة وسائر أفراد المجتمع الجزائري.

وختاما، فإن الكتاب يلخِّص بالشهادات الحيّة، والوثائق نضال المرأة الجزائرية الرافضة للاستعمار الفرنسي، وهذا النضال الذي كان حافزا ورؤى متجددة في مسار الثورة الجزائرية ونموذجا للمجتمعات المتطلعة نحو المستقبـل.

وفي النهاية، لابد من القول إنني حينما كتبت قصص نضالهن تألمت كثيرا لواقع الحال، شيء فوق التصور تحملته المرأة الجزائرية من تعذيب سادي، هذا التعذيب ألهمها القوة والصبر والصمود أمام همجية ووحشية المستعمٍر الفرنسي الغاشم، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنسى المرأة الجزائرية عار فرنسا في الجزائر.

مقالات ذات صلة