المرأة بين التحديث القسري والاغتراب الاستهلاكي
أجرى الدكتور عثمان أمكور لموقع “الجزيرة نت” حوارا عميقا مع الفيلسوفة الجزائرية نورة بوحناش، أستاذة الفلسفة بجامعة قسنطينة، المعروفة بقدرتها على الجمع بين الحس الفلسفي والدرس المقاصدي، في محاولة لفهم التحولات التي أصابت منظومة القيم والأسرة والمرأة في العالم الإسلامي تحت ضغط الحداثة والعولمة.
يأتي هذا الحوار في سياق فكري يتقاطع مع السؤال الغربي القديم حول المرأة، منذ مقولة سيمون دي بوفوار الشهيرة “لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”، مرورا بالتحولات الراديكالية التي جعلت من النسوية مشروعا صراعيا أكثر منه تحرريا، وصولا إلى النقاش الراهن حول الجندر وغياب المرجعية الميتافيزيقية.
في هذا السياق الواسع، تذهب الأستاذة نورة بوحناش إلى أن أزمة الإنسان المعاصر، امرأة كان أم رجلا، هي أزمة في بناء المنظومة الأخلاقية التي تسبق الدين من حيث الوجود، لكنها تجد فيه ما يمنحها معناها وفاعليتها. فالأخلاق، كما تراها، ليست منتجا دينيا وإنما فطرة سابقة، غير أن الدين يكشف عنها ويمنحها القدرة على التماسك عبر قاعدتين مركزيتين: مرجعية ميتافيزيقية تبرر الفعل الأخلاقي، وضوابط عملية ترسم له مساره في الواقع. ومن غياب هذين البعدين، ترى الأستاذة بوحناش أن المجتمعات المعاصرة انزلقت نحو التيه السلوكي وفقدت بوصلتها الأخلاقية.
تربط الأستاذة نورة بين هذا الانحراف الأخلاقي وواقع المسلمين اليوم، إذ ترى أنهم يعيشون نوعا من العلمانية المشوهة التي تفصل بين التدين والسلوك، فيمارس الناس طقوسهم دون أن ينعكس ذلك في أخلاقهم اليومية. وتوضح أن مقصد الشريعة الأسمى هو حسن الخلق، وأن الفصل بين الدين والأخلاق كان سببا مباشرا في انتشار التعصب والتطرف، حيث أُفرغ الإيمان من محتواه الروحي، وتحولت العبادة إلى ممارسة شكلية.
في تحليلها لبنية الأسرة المسلمة، تعتبر الأستاذة نورة أن مجتمعاتنا خضعت لعملية تحديث قسري دفعتها إلى تبني النموذج الغربي للأسرة دون المرور بمسار تطور طبيعي. فالدولة التعاقدية الحديثة، كما تقول، فرضت منطق العقد المدني على الحياة الأسرية، فغدت العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على تبادل المنافع لا على المودة والرحمة. ومع صعود النظام الرأسمالي، تكرس هذا المنحى حتى صار الزواج أقرب إلى صفقة قانونية تنظمها مؤسسات الدولة لا ضمائر الأفراد.
وترى الأستاذة نورة أن الأسرة في العالم الإسلامي تعيش مأزقا مزدوجا؛ فهي من جهة فقدت بنيتها التقليدية القائمة على التراحم، ومن جهة أخرى لم تنجح في تبني نموذج عصري متماسك. فمع تفكك الأسرة الممتدة وصعود الأسرة النووية، انقطعت سلاسل المساندة الاجتماعية، وبرزت الفردانية بوصفها القيمة العليا، مما جعل العلاقات داخل الأسرة تخضع لمنطق الحقوق والالتزامات بدل المودة والمسؤولية الأخلاقية. وتشير إلى أن هذا التحول أنتج فراغا مؤلما، ظهر في عجز الأسر عن احتضان كبار السن أو حماية الفئات الضعيفة، بعد أن كانت الشريعة ترعى تلك الروابط عبر شبكة من القيم الحية.
مع ذلك، لا ترى الأستاذة نورة في الأسرة التقليدية نموذجا مثاليا، إذ تعترف بأنها كانت تحمل في داخلها بذور الاستبداد الذكوري والممارسات القبلية التي أفرغت العلاقة بين الرجل والمرأة من معناها الإنساني. وتشير إلى أن تراثنا مثقل بممارسات مثل السبي وملك اليمين التي رسخت صورة المرأة بوصفها مملوكة أو تابعة، وهو ما انعكس على الوعي الجمعي الذي اعتاد احتقار الأنوثة واستضعافها. هذا التاريخ، كما تقول، جعل المجتمعات الإسلامية تتأرجح بين نموذج قبلي استعبادي، ونموذج غربي مادي، دون أن تتمكن من استعادة توازنها القيمي.
في تناولها لمسألة النسوية الإسلامية، توضح الأستاذة نورة أن الصراع بين الأنوثة والذكورة في العالم الإسلامي ليس مجرد انعكاس لأزمة المرأة، ولكنه امتداد لمسار تحديث مفروض من الخارج، جعل المرأة تتخبط بين خطابين متناقضين: خطاب ديني مشوه لم ينصفها، وخطاب نسوي غربي يسعى لتذويب أنوثتها في مركزية ذكورية جديدة. وترى أن “النسوية الإسلامية” التي حاولت التوفيق بين النموذجين لم تنجح في تقديم رؤية متماسكة، لأنها استعملت النصوص الشرعية في خدمة الفكرة النسوية المستوردة، فأنتجت خطابا هجينا يغترب عن أصالته الإسلامية وينساق في النهاية مع النموذج الغربي.
وتشير الأستاذة نورة إلى أن هذه الازدواجية جعلت المرأة المسلمة تعيش حالة من الاضطراب الوجودي، فهي من جهة ضحية للهيمنة الذكورية، ومن جهة أخرى فريسة للمنظومة النيوليبرالية التي تستغلها في سوق الاستهلاك. وتصف هذا الواقع بأنه شكل من أشكال الاغتصاب النيوليبرالي الذي يجعل المرأة تلهث وراء معايير جمالية واستهلاكية صيغت في الغرب، فتتحول إلى كائن يستهلك ذاته بحثا عن القبول. وتلفت إلى أن النظام الرأسمالي يدرك أن المرأة هي نواة الأسرة، لذلك يستهدفها عبر صناعة الجسد وتسليعه، لتحويلها إلى أداة استهلاك تُدر الأرباح وتفكك الروابط الاجتماعية في الوقت نفسه.
وتستعيد الأستاذة نورة في حديثها ذكريات طفولتها حين كانت الأسرة المسلمة فضاء رحمة لا يُترك فيه أحد للضياع، مؤكدة أن المودة التي كانت تجمع الأجيال هي ما منح المجتمع توازنه واستقراره. أما اليوم، فقد تحولت تلك الروابط إلى علاقات باردة، وصارت الأسرة النووية تتعامل بمنطق الحقوق الفردية، مما جعلها عاجزة عن أداء رسالتها الأخلاقية. وتشير إلى أن الانهيارات السلوكية الراهنة ليست إلا ثمرة مباشرة لفقدان الأفق الميتافيزيقي الذي كان يمنح الحياة معناها.
في جانب آخر من الحوار، تطرح الأستاذة نورة سؤالا جوهريا حول دور الفقيه في مواجهة هذه التحولات. فهي ترى أن الفقيه في العالم الإسلامي يعيش عزلة فكرية تجعله غير قادر على قراءة الواقع المعقد. فالقضايا المعاصرة كالإرث ومدونة الأسرة لا يمكن مقاربتها بمنظور فقهي صرف، واكن تحتاج إلى فقيه يتقاطع مع الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وتدعو إلى نموذج جديد من العلماء يجمع بين عمق ابن رشد الفلسفي وروح الشاطبي المقاصدية، ليكون قادرا على فهم التحديات التقنية والبيوتكنولوجية التي تمس الإنسان في جسده وروحه. فبدون هذه الرؤية المتعددة، لن يستطيع الفقه أن يقدم حلولا تستجيب لتحولات العصر أو تحافظ على المقاصد الاجتماعية للشريعة.
وترى الأستاذة نورة أن الحداثة الغربية لم تكتفِ بتفكيك الأسرة، ولكن أعادت برمجتها لتخدم منطق السوق والاستهلاك، حيث فقد الزواج معناه الروحي، وصار الجسد هو مركز القيمة. ومن هنا، تصف الوضع الراهن بأنه مرحلة أخطر من الاستعمار القديم، لأن الغزو هذه المرة لا يأتي عبر الجيوش، بل عبر الصور والإعلانات والتطبيقات الذكية التي تسكن تفاصيل الحياة اليومية. وتشدد على أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة خطيرة لتفكيك الروابط الأسرية، إذ يعزل الأفراد في فضاءات رقمية منفصلة، فتضيع فكرة العائلة وتذوب في فضاء افتراضي بلا دفء.
وفي ختام رؤيتها، تؤكد الأستاذة نورة أن أزمتنا الحقيقية هي أزمة بناء الإنسان، فالتحرر لا يتحقق بالتمرد على الفطرة، بل باستعادة المعنى الأخلاقي للوجود. والحل في رأيها يبدأ من بناء منظومة قيمية صلبة تجعل الإنسان قادرا على التحكم في التكنولوجيا بدل أن يتحكم فيه منطقها البارد. فالإنسان، كما تقول، هو جوهر الحضارة، به تُبنى الأمم وعليه تتهاوى، وإن لم يُعد بناءه وفق منظومة روحية وأخلاقية متوازنة، فلن يكون لمفاهيم الحرية والكرامة سوى معنى استهلاكي زائل.