المرافقة الدينية بالسجون للحد من الجرائم!
يجمع أئمة ومرشدون على أن برامج الإرشاد الديني ساهمت مؤخرا بشكل كبير في تقليل معدلات العودة للجريمة، نظرا لتأثيرها على نفسية السجناء خلال فترة العقوبة، وذلك استنادا لمجموعة من التجارب التي كشفت أن القرآن والوعظ وسيلة عملية لإعادة البناء الروحي والسلوكي للمحبوسين، وتحويل المؤسسات العقابية إلى فضاءات إصلاحية حقيقية تؤهل السجين للاندماج بشكل كامل بالمجتمع بعد انتهاء العقوبة وتغير مسار حياته نحو الأفضل، ويرى هؤلاء أن ذلك يتحقق من خلال ووضع آليات جديدة لتطوير الإرشاد الديني داخل السجون وتنظيم أفضل لهذه البرامج.
برامج دورية لحفظ القرآن والإرشاد بالمؤسسات العقابية
وفي هذا الشأن، أكد معلم القرآن بمؤسسة إعادة التربية والتأهيل لولاية بجاية “واد غير” خالد عفون، أن إحياء الوازع الديني داخل المؤسسات العقابية أصبح أحد أهم مسارات إعادة الإدماج، نظرا للتغيرات العميقة التي يحدثها في نفوس المساجين وسلوكهم.
وشدد المتحدث لـ ” الشروق” على هامش ملتقى وطني حول تطوير الخطاب الديني داخل المؤسسات العقابية بدار الإمام في العاصمة، على ضرورة استحداث آليات جديدة لتطوير الإرشاد الديني داخل السجون، مؤكدا أن المرحلة القادمة ستشهد تنظيما أفضل وتطويرا أكبر لبرامج الوعظ والإرشاد، كما أشار إلى إن البرامج التي تشرف عليها وزارة الشؤون الدينية داخل السجون منذ فترة أثبتت فعاليتها، وهو ما لمسه المتحدث من خلال التعامل اليومي مع السجناء بالمؤسسة العقابية، ورغبتهم الكبيرة في التغيير من خلال الإقبال على حفظ وتعلم القران، بالإضافة إلى حاجة هؤلاء لتأطير وتوجيه من طرف الأئمة والمرشدين الدينيين.
سجناء يغادرون المؤسسات العقابية بـشهادة حفظ القرآن
وأضاف محدثنا أن سجن العبادلة سجل حالات كثيرة، حيث غادر المؤسسة العقابية العديد من السجناء وهم يحملون شهادة حفظ القرآن الكريم، ولفت عفون إلى أن أثر القرآن يتجاوز أسوار المؤسسة العقابية، كما انه يترك بصمته في نفسية السجين وسلوكه، حتى أن الكثير منهم يغادره بتفكير وسلوك مختلف نحو الأحسن وأكثر هدوء واتزانا وقربا من الله، على قول ذات المتحدث.
كما تطرق إلى دور حفظ القرآن في تقليص نسبة العودة إلى الجريمة، لأن النزيل، بحسبه – يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه بعد أن عايش أجواء روحانية داخل المؤسسة، مؤكدا على ضرورة مواصلة مثل هذه المبادرات وتطويرها.
مرافقة الأئمة للسجناء بعد الإفراج عنهم
ومن جهته، كشف الإمام بمسجد الكوثر ببراقي وأستاذ الإرشاد الديني بالمؤسسات العقابية بالحراش والقليعة، علي كرور، أن الإرشاد الديني داخل السجون كانت له نتائج إيجابية في تهذيب سلوك النزلاء وإعادة إدماجهم في المجتمع بعد قضاء العقوبة، مؤكدا أن جلسات الوعظ وحفظ القرآن، وسماع الأحاديث النبوية كانت سببا رئيسيا في عودة الكثيرين للطريق الصحيح.
وأضاف المتحدث أن المؤسسات العقابية شهدت تحولات كبيرة في سلوك من كانوا متورطين في جرائم وجنح، وهو ما وقف عليه شخصيا بالمؤسسة العقابية للحراش، بعدما أثرت حلقات القران والدروس الإرشادية على أشخاص كانوا معروفين سابقين بالعنف والانحراف ثم عادوا إلى الله، والتزموا التزاما كاملا حتى بعد خروجهم من السجن.
وأكد الإمام أن المشكلة التي تواجه النزلاء بعد الإفراج عنهم هي غياب المرافقة خارج المؤسسات العقابية، مشيرا إلى أن الكثير منهم يفتقدون للمرافقة بعد مغادرة السجن، وهو ما يدفع بعضهم للعودة مجددا إلى سلوكه الإجرامي، مطالبا في ذات الوقت بدعهم هذه الفئة بعد انقضاء عقوبتهم من قبل الأسرة والأئمة لنجاح إدماجهم بالمجتمع.
وكشف المتحدث عن وجود نماذج ناجحة لسجناء تغيروا جذريا سلوكيا، من بينهم سجناء تمكنوا من تأسيس شركات ناشئة بعد حصولهم على قروض مصغرة، وآخرون التزموا دينيا وأصبحوا من رواد المساجد بعدما كانوا متورطين في ترويج وتعاطي المخدرات.
دروس في التجويد والحديث لنزلاء المؤسسات العقابية
وبدوره أكد الإمام الخطيب عبد الحامد توكي بالمؤسسة العقابية في ولاية بشار، أن تطوير الخطاب الديني داخل المؤسسات العقابية أصبح ضرورة ملحة، نظرا لما يحققه من نتائج ملموسة في إعادة تأهيل النزلاء وتغيير تصرفاتهم، وأوضح المتحدث لـ”الشروق” أن البرنامج المسطر من طرف مديريات الشؤون الدينية يرتكز حاليا على عدة محاور، أبرزها حلقات تعليم القرآن الكريم ودروس التجويد والترتيل، وكذا محاضرات الوعظ والإرشاد التي يشرف عليها أئمة ومرشدون مختصون، ضمن خطة مدروسة لمرافقة النزلاء طيلة فترة وجودهم داخل المؤسسة العقابية.
ونوه المتحدث إلى وجود تحولات عميقة لمسها لدى عدد من النزلاء، موضحا أن الفرق يكون واضحا بين فترة ما قبل دخول السجن وما بعد الاندماج في البرامج الدينية، ومن بين الأمثلة حالة سجين مكث أكثر من 15 سنة داخل المؤسسة العقابية بالعبادلة، حيث تمكن خلال هذه الفترة من حفظ القرآن كاملا لأربع ختمات بالسند المتصل في التجويد والترتيل، واستمر في ذلك حتى بعد خروجه من السجن وأصبح من الحفاظ الأوائل بالولاية.
ولفت إلى أن مثل هذه النماذج تحتاج فقط إلى توجيه ومنح فرصة جديدة، وذلك من خلال الاحتكاك بالقرآن وأهل العلم، لتتغير نظرتهم للحياة بعد العقوبة، والسعي من أجل إصلاح أنفسهم والعودة إلى الطريق الصحيح بعيدا عن عالم الجريمة والانحراف، ودعا المتحدث في السياق ذاته إلى ضرورة تكثيف البرامج الدينية وتعميمها مستقبلا بجميع المؤسسات العقابية على مستوى الوطن، خاصة بعد تحقيق نتائج إيجابية داخل العديد من السجون.