المربي الأستاذ عيسى بوسام.. الرّجل الأغلى
عاش المربي الأستاذ عيسى بوسام، رحمه الله، الرجل الشَّموخ (بفتح حرف الشين) والشَّهوم (جمع شهم) بين الناس الذين خالطهم من دون تصنيف كالأرض الدمثاء التي لا ترى فيها قحولة ولا مُحولة، والتي لا تخرج من بطونها الدافئة إلا الزروع الطيبة التي تزين الطبيعة وتسقي الضروع. وسار بينهم سير العطوف الحنون كالريح المرسلة التي تسوق السحب وتجريها إلى حيث يتكثف ماؤها وينزل غيثا زلالا، عذبا وسلسبيلا.
من العادة، إن السلوان والنسيان يطفئان جمرات وحرقة فقدان الأعزاء من الإخوان والخلاّن. بيد أنهما، في هذه المرة، أراهما عاجزين حتى عن تخفيف لظى الاكتواء، ذلك لأن الفقد، في هذه المصيبة، أصابنا بخسارة لا تحتمل، فهي خسارة في الأخوَّة، وخسارة في الصداقة، وخسارة في الأدب الشريف المستقيم، وخسارة في الخُلق القويم، وخسارة في خدمة الوطن، وخسارة في الذود عن حماه في أشرف ساحاته وأطهرها، وهي ساحة التربية والتهذيب التي كان الأستاذ عيسى بوسام أحد جنودها البواسل الكبار المرابطين فيها عشقا واقتناعا، وخدمها خدمة العريف (ليس بالمعنى المتداول والمعروف) البصير.
ولم يضع سيفه وترسه للدفاع عنها حتى آخر نفَس من أنفاسه، فقد مات أستاذنا عيسى بوسام وعلى شفتيه أنشودة التربية ذات الرنين الحزين والأنغام القلقة وفي قلبه أشياء كثيرة عن التربية لم يبح بها.
عمل الأستاذ عيسى بوسام، وهو منظّر تربوي يجمع بين عمق الأفكار والجرأة في تشخيص العلل والأسقام، عمل على خدمة التربية حتى يظل صرحها في وطننا كالشمس المشرقة في صباح يوم صاف، وكالقمر المنير الذي يضيء كل الأركان في ليلة صحو. ولكي ترسم معالم المستقبل الزاهر للأجيال، وتحافظ على قيّم هُويتنا من دين ولغة وتاريخ مشترك وتراث خصب وتقاليد وجميل عادات ومواطنة سمحة مؤسسة على الاحترام المتبادل والأخذ والعطاء والمعرفة والتعارف والاعتراف.
أمضى أستاذنا وأستاذ الجيل عيسى بوسام سنوات عمره مربيا نزيها، ومقاوما صلبا واقفا في ثغور التربية، وصائنا لحرمتها وقداستها بلا تـأوُّه ولا تهاون ولا أنين. ولم يكن يرضى بخدشها ولو همزا ولمزا، فما بالك برميها بالصفات المخجلة المعيبة والتهم الجارحة.
عمل الأستاذ عيسى بوسام، وهو منظّر تربوي يجمع بين عمق الأفكار والجرأة في تشخيص العلل والأسقام، عمل على خدمة التربية حتى يظل صرحها في وطننا كالشمس المشرقة في صباح يوم صاف، وكالقمر المنير الذي يضيء كل الأركان في ليلة صحو.
ولكي ترسم معالم المستقبل الزاهر للأجيال، وتحافظ على قيّم هُويتنا من دين ولغة وتاريخ مشترك وتراث خصب وتقاليد وجميل عادات ومواطنة سمحة مؤسسة على الاحترام المتبادل والأخذ والعطاء والمعرفة والتعارف والاعتراف، وأراد لها أن تكون ابنة عصرها على أديم هذه الأرض من حيث مضامين المناهج وطرائق التدريس والمقاربات الأدائية في الأقسام بشرط ألا تنسلخ عن ماضيها، وتدير له الظهر متنكِّرة.
سار الأستاذ عيسى بوسام بين صفوف أهل التربية الذين يعرفون قدره تواقا إلى العلا والرفعة والشرف، ومتعففا عن السفاسف والتوافه، ومبتعدا عن النظر إلى الحضيض، ومشرئب العنق متابعا النجوم في عنان السماء. فكم سما الأستاذ عيسى بوسام في نظراته إلى التربية؟؟.
أقولها صراحة ومن دون مداراة أو مماراة، كم امتعضت لما وجدت من يحاول الاستثمار الممقوت والبشع في اسم الأستاذ عيسى بوسام في صبيحة يوم غيابه، وأراد أن يقطف من جدائل أمجاده البهية جديلة يزيِّن بها جبين إحدى نقابات التربية التي ينتمي إليها، وأن يوظف سمعته النقية في غسل سخامها وتلميع دكانتها والتغطية عن انزلاقاتها وانحرافاتها. وللتاريخ، أذكر أنني عشت إلى جنب الأخ عيسى بوسام أزيد من عشرين سنة، ولم أسمعه يمتدح نقابة من نقابات التربية. بل كان كثير الانزعاج لما تقدِم هذه النقابات في تهور على غلق أبواب المدارس وعلى حرمان المتعلمين من نعمة العلم ونوره؛ لأن الرجل كان يعرف قيمة الوقت في التعليم، ويدرك جسامة الخسارة لما تضيع من عمر المتعلم في المدرسة حصة واحدة، ويُهدر وقتها.
وفي يقيني، أن الأستاذ عيسى بوسام الذي يحسن العد والحساب، وهو الفيزيائي المتضلع، لا يرى أن الوقت من الذهب، وإنما يراه أغلى من الإبريز وهو أنقى أنواع الذهب.
ما الدافع الذي حرَّك في نفوس المشيِّعين رغبة المجيء إلى مقبرة “القمّاص” في قسنطينة بأعداد غفيرة؟ لقد حضروا في لهفة ليؤكدوا استمرار عربون الوفاء مع الأخ الأستاذ عيسى بوسام الذي كان سببا في نسج أولى خيوطه المتينة وطرزها بأزهى الألوان، وبأروع الكلمات.
لعله من أجلّ درجات الوفاء أن ننهل جميعا نهل العطشى والجوعى من القيّم والمبادئ التي عاش لها وبها الأخ عيسى بوسام، وأن نقطف من ثمارها أطيبها وألذّها، وأن نرتشف من رحيقها أحلاه وأعذبه. ولن يتحقق هذا المبتغى إلا باستحضار كلماته وتوجيهاته، واسترجاع إرشاداته وأحاديثه، والاستماع إلى انتقاداته العقلانية الرصينة. وأن نجعل منها معالم وأمارات على ضفاف دروبنا التي نزحف فيها، ومنارات في محطات مجالسنا، ومداخل معتبرة في مواضيع كتاباتنا ومحاضراتنا وأحاديثنا.
اعتقد أن ما ذكرته، منذ حين، غير كاف وغير شاف، وليس له من معنى إذا أبقينا القيم الجميلة والنبيلة التي عاش من أجلها أستاذنا عيسى بوسام سجينة جماعة أهل التربية، وحبيسة حدود تواجدها وتواجدها.
إذن، فالعهد المسؤول يحتِّم علينا جميعا أن نشيع إرث وتراث أخينا عيسى بوسام في كل مجلس وفي كل ناد وفي كل واد، وأن نجهر بهما جهرا مدوّيا، وأن نتكلم عنهما علنا في الناس بصوت عال لا تلكؤ فيه. وأن نتحدث فيهما حديث المؤثرين الفعالين الذي يصنع منه قدوة وإسوة ومثالا. وعلينا جميعا أن نجتهد لتجسيد هذا النموذج المتفرِّد والفذ أمام بؤبؤ الأعين وفي مرافئ العقول على حد سيان حتى يظل كالعلم (الجبل) الشامخ حيا ومرئيا ولائحا.
إن الأخ الكريم عيسى بوسام الذي التحمت به لسنوات طويلة هو إمامٌ من أئمة التربية، وهو أسطون من أساطين الفكر التربوي في وطننا العربي الذي جمع بين أركان التربية والإصلاح الاجتماعي في مركب واحد. وهو صاحب رؤى ومقولات وتنظيرات لا يأتي بها إلا الحكماء في ميدان التربية. وإنه أمة بكل مقوّماتها ومعانيها؛ لأنه يعبّر بلسان صادق عن أفكار ومشاعر الخلص الخيرين في وطننا. ونلمس في مسعاه الدؤوب روح وآثار وملح المدرسة الباديسية الحرة التي وقفت ندا عنيدا أمام مدرسة جيل فيري وجان جاك روسو وغيرهما، وهزمتهما في الميدان.
يوجد الآلافُ من محبي الأخ عيسى بوسام، رحمه الله، المجلين لمكانته والموقرين لمقامه والمعترفين بكفاءته. وإن التواصل معهم يمسي فرض عين ملزم على كل واحد منا لما نفكر، في إصرار، في سبيل تخليد اسمه الزكي، ورفعه موشَّحا لهامة من هامات مؤسسة تربوية حتى تتزين به في قسنطينة التي أحبها كما نحبها جميعا، وسكنها حيا في حي “المنى” قبل أن ينتهي به المسير مستريحا في أرض مقبرة القماص الطاهرة في نهاية الطريق الكأداء التي شقّ شوطها الأول في مرابع صباه بـ”الرقراقة” النائمة في خدرها في جنوب شرق ولاية برج بوعريريج.
خطّ الأستاذ عيسى بوسام بفكره وكفاءته وذكائه وعبقريته محجة سير بيضاء ومنبسطة وممهدة، وخالية من المنعطفات والحزونات، ومن تمام الوفاء وأكمله أن نضع خطو أقدامنا على مواقع خطو قدميه فيما بقي لنا من دقائق في هذه الحياة. وأن نعمق معنى الإحسان في عقولنا كما كان يفعل.
رحم الله أخانا الأعز والأغلى عيسى بوسام، وجزاه عن التربية وعنا خير الجزاء.