-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المرض الذي شخّص مرضنا

الشروق أونلاين
  • 2094
  • 1
المرض الذي شخّص مرضنا

الوهن الذي بلغته البلاد، تجلّى من خلال ردّة فعل المواطنين والدولة نفسها مع خبر مرض الرئيس، ونقله إلى فرنسا للعلاج، فغالبية المواطنين سافروا تلقائيا نحو المحطات الأجنبية، بحثا عما يعتبرونه “يقينا” رغم ان الخبر سمعوه على لسان الوزير الأول، والدولة التي علّمت الجزائريين أن لا تعطيهم الحقيقة بمرّها وحلوها، إلا بعد أن تُعلّبها بـ”استصغارها” للمتلقي، و”استكبارها” عليه، وجدت نفسها شبه تائهة وغير واثقة من نفسها، وهي تقدّم خبرا عاديا عن مرض أو وعكة صحية أصابت الرئيس، كما تصيب كل الناس، وسنكون متفائلين جدا لو اعتبرنا ما أقدمت عليه الحكومة على لسان الوزير الأول بإعلان مرض الرئيس، أسلوب تواصل جديد بين الدولة والشعب، وسنرفع تفاؤلنا إلى السقف، لو ظننا أن الدولة اقتنعت بأن لا طريق لها لمواكبة ما يحدث في العالم سوى دخول ربيعها بأقل الأضرار عبر الشفافية وترميم الجسر الفاصل بينها وبين الشعب بعد زلازل العقود التي مسّت أساسه، لأن غير هذا التفاؤل، معناه أننا وصلنا إلى مرحلة المرض الأخيرة الميئوس علاجه.

فالمواطن البسيط تحوّل في اليومين الأخيرين، في لمح البصر، إلى طبيب مختص اطلع على حالة الرئيس وأعطى تشخيصا لمرضه واقترح العلاج،، وتحوّل إلى سياسي مختص في المستقبليات، وأعطى تصوّرا لموعد الانتخابات الرئاسية القادمة التي يفصلنا عنها بضعة شهور، وتحوّل إلى نفساني راح يقرأ ما في صدر النظام، رغم أن الوضع يوحي أن الرئيس ليس وحده من يرقد على فراش المرض، مع فارق في نوع المرض؟

لقد أعلنت المملكة العربية السعودية عن مرض ملكها، وأعلنت فنزويلا عن مرض رئيسها السابق، واقتنعت كل الدول أن العالم صار “بيتا” صغيرا، إذا لم تكشف فيه عن نفسك، كشفك الآخر بالطريقة التي يريد، وإن لم تكشف لأهلك عن نفسك انقلبوا ضدك وفقدوا ثقتهم فيك، بعد أن ولّى للأبد زمن “العلبة السوداء” و”سرّي للغاية”، في عالم الفضائيات والفايس بوك والثورات الربيعية المندلعة في كل الفصول، والدولة التي سكتت أو تعمّدت السكوت في قضية سوناطراك، وجدت نفسها تتابع مثل شعبها غسيل شكيب خليل الملطّخ ببقع النفط منشورا في حبل ممتد من إيطاليا إلى كندا، والشعب الذي أساء اختيار ممثليه في المجالس البلدية والولائية والبرلمانية، وجد نفسه متشردا في الطرقات يقطعها حينا، وتقطعه أخرى، محطّما أرقاما قياسية عالمية في الاعتصامات والاحتجاجات والانتحارات، فصار غير واثق من الحاضر، ومرعوبا من المستقبل.

إذا كان السيد عبد المالك سلال قد أكد خبرا صدر من أوساط أجنبية عن مرض الرئيس الذي من المفروض أنه أقرب الناس إليه منصبا ورتبة، وإذا كانت الدولة قد استبقت سؤالا كان سيطرحه مئات الآلاف من مناصري الكرة في الفاتح من ماي القادم وهم يرون كأسا تسلّم لقائد الفريق الفائز من رجل آخر دون الرئيس، فمعنى ذلك أننا مازلنا رهن اللحظة، لا عمق لأخبارنا ولا شعاع لقراراتنا.

الخبر المعلن حاليا أن الرئيس الجزائري مريض وحالته لا تبعث على القلق، والخبر غير المعلن أننا جميعا مرضى بالشك والخوف، ونكاد نقول.. أن حالتنا تبعث على القلق؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • نبيل

    الله يجيب الشيفة. المرض جزء من الصحة كما الموت جزء من الحياة، والإنسان زورق صغير بينهم يتلاطم. لكن زورقنا بشباكه الرثة في المرفأ "يرشى"، تقذفه الأمراض من كل جانب وما من منقذ يبحر به فيصحى.