-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المستقبل‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة

صالح عوض
  • 4744
  • 2
المستقبل‭ ‬لهذه‭ ‬الأمة

تتشكل ملامح المستقبل الكوني في هذه السنوات الصعبة والقاسية منذ انتهاء الحرب الباردة وبروز سياسات القطب الواحد في السياسة والاقتصاد والإعلام ..فلقد حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة استغلال الفرصة الذهبية بالنسبة لسياساتها عقب انهيار الكتلة الشرقية لفرض وقائع على الجغرافيا السياسية تضمن لها تفوقا استراتيجيا على مدى قرون، بل لعلّ المنظرين الأمريكان ذهبوا إلى القول بنهاية التاريخ البشري بتسيد الولايات المتحدة الأمريكية على الكون، وظهرت نظريات استشرافية عديدة روّجت لها وسائل الإعلام الأمريكية والتابعة تسير في السياق‭ ‬ذاته‭.‬

  • لم يتوقع الأمريكان أن هناك في رحم التاريخ مفاجآت لا يمكن التنبؤ بها لأنه لا يمكن برمجتها على الحاسوب المغرور والمتغطرس في البيت الأبيض الأمريكي..فوضعت الخطط في البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية وجهاز المخابرات المركزية في اتجاه هدف محدد، إنه التسيّد الأمريكي‭ ‬تتويجا‭ ‬لانتصارات‭ ‬عالمية‭ ‬حققتها‭ ‬السياسة‭ ‬الامبريالية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬تستثني‭ ‬الخطط‭ ‬أيا‭ ‬من‭ ‬قارات‭ ‬الأرض‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القارة‭ ‬الأوربية‭ ‬العجوز‭ ‬حسب‭ ‬وصف‭ ‬الأمريكان‭ ‬لها‭ ‬إبان‭ ‬حربهم‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ..‬
    صحيح يكون الأمريكان والنظام الرأسمالي الامبريالي قد تخلصا من خصمهما التقليدي المتمثل في الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية بطريقة لم تكن تخطر على بال ..إلا أنه لا يمكن القول أن المسرح الكوني قد أصبح فارغا أمام تقدم الجيوش والسياسات الأمريكية ..بل لعل الحروب الجزئية الاقتصادية والعسكرية المتناثرة هنا وهناك واحتمالات تطورها وتوسعها تكون قد دفعت بالنظام الرأسمالي الأمريكي إلى دوامة حروب ليس لها هدف، أو لعلها استطاعت أن تحوّر في الأهداف الأمريكية الأولى الأساسية في محاولة لاحتواء النتوءات وتجاوز العقبات التي ظهرت‭ ‬على‭ ‬المسرح‭.‬
    منذ انتهاء الحرب الباردة أصبحت أمريكا تحارب في قارة آسيا وإفريقيا، ونقلت جيوشها على الأرض، لتحتل وتنتشر قواتها في شوارع العرب والمسلمين وعلى مدار فترة تزيد على العشرين عاما، لا تزال الجيوش الأمريكية غير قادرة على حسم الصراع عسكريا، فيما تكون تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد والسمعة بل وفي الاستراتيجية ..فلئن جاءت لتسقط نظام العراق، فلقد توّلد عن ذلك نظام سيكون بلاشك أقرب لخصومها منه إليها، حيث كانت السياسة الإيرانية أكثر لياقة منها في موضوع العراق، وتكون إيران هي المستفيد الأكبر مما جرى في العراق، وأصبح النفوذ الإيراني هو الأكثر حضورا تمددا..كما كانت الحرب الأمريكية في أفغانستان فضيحة كبرى للسياسة الأمريكية ولصناع الرأي في أمريكا، بل وللإستراتيجية الأمريكية جملة..فضيحة أخلاقية إذ ظهرت الإدارات الأمريكية على أبشع أنماط العنصرية والسادية في معتقلات غوانتنامو المجردة من أي خلق إنساني والتي ستظل وصمة عار في جبين الأمريكان على مدار التاريخ .. كما أن مطاردة الأشباح في جبال أفغانستان خلال أكثر من عشرين عاما لم تسفر إلا عن قتلى أمريكان وضياع في المجهول..
    وعلى جبهة أخرى، يمكننا مراقبة التطور الاقتصادي الرهيب الذي تعيشه دول كبرى كالصين وتبنيها سياسة اقتصادية لغزو العالم بما فيه البلاد الأمريكية، وما يمثله هذا من تحد اقتصادي للنظام الامبريالي الحاد، الذي تظهر علامات تقهقره القادم في العجز الاقتصادي الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية التي بدأ بعضها في الإعلان عن إفلاس وانهيار سيستمران ليشملا كل النظام الاقتصادي الامبريالي..من هنا يمكن ملاحظة أنه رغم نشوة الانتصار الأمريكي بسقوط الكتلة الاشتراكية وأفول نجم الاتحاد السوفيتي إلا أن أقطابا دولية آخذة‭ ‬في‭ ‬التشكل‭ ‬والنمو‭ ‬والتقدم‭ ‬في‭ ‬أسيا،‭ ‬وهناك‭ ‬قطبيات‭ ‬صغيرة‭ ‬تتمحور‭ ‬وتنمو‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬التي‭ ‬تتناقض‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬مع‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭.‬
    في ظل هذه التحولات الكبيرة في الخريطة السياسة العالمية تعيش الأمة حراكا ثقافيا وسياسيا واسعا يستند إلى حسها التاريخي ووعيها وتراكم العبر المستنتجة من صراعها مع الغرب الاستعماري وإلى الإحساس بالاستضعاف والاستهانة التي تمارسها الإدارات الغربية وعلى رأسها الأمريكية تجاه الأمة..وتكون الأمة أخذت بزمام المبادرة في الهجوم لفرض وقائع جديدة والانتقال إلى مربعات من المواجهة بعد فترة طويلة، مما اعتقده البعض أنه خنوع واستسلام للواقع الذي فرضته  وروّجته السياسات الغربية.
    ولكننا للأسف لم نستطع أن نكون في مستوى ضمير الأمة وروحها، ولم نرتق إلى المستوى اللائق بمخاطبة وجدانها، ولم تكن قراءات الكثير منا إلا حاجزا يقف أمام انتصار الروح الذي تعيشه الأمة..لم تكن كثير من معارف مثقفينا واطلاعهم على إعلام الأمريكان وقراءاتهم مفيدة لهم في فهم حقائق الواقع، كما أنها كانت معطلة لنا عن تشكيل قوة هجوم فكري، بل كانت مساهمة بشكل كبير في التأسيس لانهزامنا وجبننا وترددنا وعدم قدرتنا على التفكير خارج الحيّز الذي وضعتنا فيه السياسات الأمريكية وكانت أمريكا وانتصارها وتسيّدها قدر لا فكاك منه.
    ورغم عجز فئة كبيرة من المثقفين عن التحرر من آثار ألقتها في روعهم معارفهم المستقاة من مسارات غربية، فوقفوا عاجزين عن فهم مبررات النهوض العارم للأمة .. ورغم أن البعض الآخر انخرط في التسرع وعدم التدقيق في السياقات المتضادة أو الملتقية في الحراك الكبير في الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وذهبوا‭ ‬بلا‭ ‬تدبر‭ ‬للاصطفاف‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬الامبرياليين‭ ‬الغربيين،‭ ‬وكان‭ ‬الغرب‭ ‬هو‭ ‬اله‭ ‬الرحمة‭ ‬ورب‭ ‬الديمقراطية‭ ‬فقام‭ ‬هذا‭ ‬النفر‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والسياسيين‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬وعي‭ ‬بتشويه‭ ‬أعظم‭ ‬حراك‭ ‬للأمة‭.‬
    رغم ذلك كله فإن الأمة تحقق انتصاراتها، صحيح أنه لا يمكن القول إنها انتصارات نهائية، ولكنها تأسيسية إذ أشاحت عن روحها الإحساس بالخوف والتردد وامتلأت عزة وكرامة وجرأة وألقت عن روحها كل دواع الانهزام..وهذا كله يعني بوضوح إننا قادمون لنلغي وجود إسرائيل، ونلغي حدود‭ ‬التجزئة،‭ ‬ونلغي‭ ‬التبعية‭ ‬للأجنبي،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬بوضوح‭ ‬أننا‭ ‬ننطلق‭ ‬من‭ ‬ذواتنا‭ ‬وندير‭ ‬أشياءنا‭ ‬وأفكارنا‭ ‬وأشخاصنا‭ ‬في‭ ‬معركتنا،‭ ‬نحن‭ ‬وقد‭ ‬ألقينا‭ ‬جانبا‭ ‬ثقافة‭ ‬الانهزام‭ ‬وسياسات‭ ‬العجز‭.‬
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • محمد البيومي

    يعجبني قول الشيخ صالح كثيرا هذه المرة ، فقد شخص لنا الحالة جيدا ، واستقرأ المستقبل واطمأن لنصر الله ، لكن في الأمر 000 أمر !
    سيدي الشيخ أرى أننا نحن العرب المسلمين متى استطعنا أن نزرع أرضنا قمحا وغلالا ، حينا أطمئن للنصر وتزداد تقتي بهذا النصر، ومتى أولينا التعليم حقه وواكبنا الأمم المتحضرة ، وأخذنا عنها علومها النافعة وبدأنا من حيث انتهوا ، أقول حينها ان النصر أت ، لكن ما دام كيس الدقيق يأتينا من أمريكا وغيرها فإن قرارنا السياسي ليس بأيدينا ، وسنبقى في مصاف الدول المتخلفة والتابعة.

  • houcine

    oui mon frere c'est rai inchallah