الرأي

المشكلة في الشعوب أولا!

ينام أكثر من مليار مسلم، هنيئا مريئا، بضمائر مجمّدة تجاه ضياع القدس الشريف وتشريد أهله وتقتيل أبنائه وتشويه معالمه، بحجّة أنها ضعيفة الحيلة، مغلوبة على أمرها، مغتبطة بالأسطوانة التي يردّدها بعض زاعمي الثورة على الحكّام، التي مفادها أن الحاكم هو وحده من يتحمَّل الخنوع والانبطاح والانهزامية تجاه السيطرة الصهيونية على رقاب أكثر من مليار مسلم، افتخروا دائما بعددهم، ولم يقدّموا النوعية التي تليق بعظمة دينهم أو على الأقل بتاريخهم.
ويجلس عشرات الملايين من العرب ومئات الملايين من المسلمين، قبالة شاشات التلفزيون، وهي تقدم صورا لاجتماعات عربية وإسلامية طارئة وماراطونية، إما ناقمين أو ساخرين من هذه اللقاءات التي تقول ما لا تفعل، أو لا تقول أصلا، وكأن قدَر القدس أن ينتظر حكاما يحمونه، وليس شعوبا تحميه وتذود عن حِماه.
سبعون سنة مرّت عن نكبة سقوط فلسطين، والناس ترمي التهم تجاه “ولاة” الأمور، والنكبة الحقيقية لا تكمن في ضياع الأرض فقط، فكل شيء ضائع، بما في ذلك هذه الشعوب التي تسافر بعشرات الآلاف مثل الأسود إلى ملاعب الكرة وإلى قاعات الحفلات ومختلف المنتجعات السياحية، وفي الحروب المصيرية، نعامات، تدفن رأسها في التراب وتشير بسبَّاباتها نحو الحاكم، تماما كما يحدث حاليا في مشهد ترسيم القدس الشريف عاصمة للكيان الصهيوني ببصمة أمريكية.
يقول تعالى في سورة الأنفال: “فإن يكُن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين”، ويقول واقع الأمة إن هذا المليار من البشر أو يزيد، غير قادر على غلبة بضعة ملايين، ليس حربيا فقط، وإنما اقتصاديا وعلميا وثقافيا، ولا نظن أن من يتحمّل سبب هذا الضياع هم الحكام وحدهم، والشعوب بريئة، وعددها قد قرع المليار نسمة، فما جاء في سورة الأنفال هو إشارة صريحة إلى الشعوب وليس إلى القادة فقط.
صحيح أن زعماء الكيان الصهيوني ساهموا بقسط وافر في “تأمين” نمو الكيان في قلب الأمة العربية الإسلامية من دافيد بن غوريون إلى بنيامين نتانياهو، مرورا بغولدا مايير وشامير ورابين وشارون… ولكن ما بذله الإسرائيليون من نفسهم ونفيسهم هو الذي حقّق الغلبة لهذا الكيان الذي كان على باطل ولم تكن الجغرافية ولا التاريخ ولا العدد والعدّة لصالحه، ومع ذلك غلب العرب في كل الحروب التي خاضها أمامهم، ويغلب حاليا إيران وتركيا بتحويلهما إلى ظاهرة صوتية تُرعد ولا تُمطر أبدا.
صحيحٌ أن زعماء العرب والمسلمين ساهموا بقسط وافر في تسهيل تشييد الكيان من عهد القومية المزيّفة إلى عهد أصحاب السمو والسماحة والسيادة، ولكن سلبية العرب والمسلمين، هي التي أدخلت الأمة في غيبوبة كاملة، إلى درجة أنها لم تعد تتابع بأبصارها وأسماعها فقط سقوط بغداد ودمشق والقدس، وإنما صارت تسهم في ذلك.

مقالات ذات صلة