-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

بأيِّ حال عدت يا عيد؟

بأيِّ حال عدت يا عيد؟

عيدُ هذا العام مليءٌ بالأحداث الحزينة في الظّاهر بين ابتلاءات خاصة وأخرى عامّة على مستوى الأمّة، غير أنّ يقيننا كمؤمنين أنّها بشائرُ خير ونصر إن شاء الله، فبعضنا امتُحِن في صحته أو فقدان عزيز، وامتُحِنّا كأمّة في إبادة إخوان لنا على أرض الرّباط، ولا ملجأ لنا إلّا ربّنا ومولانا، فاللهَ نسألُ أن يجعل كل ذلك تطهيرا لنا وإيقاظا لعزائمنا وضمائرنا بحسن العودة إليه وجهادنا فيه طلبا للنصر والظفر والتمكين.
إنّ أمّة المليار والنصف مليار التي يُباد منها عشرات الآلاف على مسمع ومرأى من الجميع لا يحقّ لها أن تفرح بالعيد إلّا إذا برّأت ذمّتها بنصرة إخوانها، لأنّ عبادة الصّوم التي فحواها الإيثار والصّبر والنصرة لا يمكن أن تكون سليمة ما لم تنتج آثارها في سياسات ومواقف الأمّة وتصرّفات أولياء أمورها.
استوقفتني بهذه المناسبة مقولة للدكتور عبد الوهاب المسيري يقول -بتصرف- فيها (عندما يُدرك النّاس أنّ الشّأن العام يُدارُ غالبا لحساب نُخبة وليس لحساب أمّة، يصبح الفرد حينها غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف ليبحث عن مصلحته الخاصة).
إنّ هذه الظاهرة المرَضية من أهمّ أسباب انهيار الأمّة والأوطان ما لم يتدارك الصالحون خطرها ويبادروا بمعالجتها بطريقة تجتثها وتزيل أسبابها.

إنّ الإنسان الذي يكسب من دون جهد هو خلية مرضية في المجتمع، كما أنّ الثروة المبنية على أواصر الولاءات والصداقات والترضيات سرطانٌ اجتماعي وفيروس قاتل للتنمية ووسيلة لفقد الثقة وتوسيع لدائرة اللا شرعية في الكسب، ومن ثَمَّ هدم قاتل لشرف العمل واستفراغ الجهد في الثراء المشروع والكسب الحلال.

يبدو أنّ المواعظ على المنابر، والخطب والندوات والمقالات مجتمعةً غيرُ قادرة على معالجة هذا الداء الذي ينخر الأمّة ويُهدّد وجودها وقيمها وكل خصائصها وثوابت حضارتها، لذا وجب البحث عن أسلوب آخر أكثر فعاليّة وجدّية لوضع حدٍّ له.
لقد حان الوقت لأن يتوقف فلكلور الوعد بالتغيير الإيجابي بمناسبة المواعيد الانتخابية، ليصبح الإصلاح والتغيير والعلاج برنامجا قائما بذاته طويل الأمد، واضح الأهداف، معلوم الوسائل، تتجنّد له الأمّة بكل قواعدها وإمكاناتها ومؤسّساتها لتجعل منه هدفا أسمى.
وأرى أنّ البداية الصحيحة لإعادة بعث الأمّة بعثا حضاريا يعيد إليها أمجادها ويُرهِب أعداءها ويُرضي ربَّها ويُعِزُّ المُنتسب إليها يكون بالتّركيز على معالجة الخلل في الميادين التالية:
أولا: إعادة الاعتبار للعلم مقرونا بالتربية، فالعلم دون تربية قد يكون وسيلة هدم واعتداء وانحراف. ويكون حقّ التّعلم كحقِّ الحياة، إذ لا حياة كريمة من دون علم نافع.
إنّ تكريس هذا الحق عمليًّا لا يتوقف على النّص القانوني مهما سما، ولا على وعود المسؤولين مهما كانت مراكزهم، بل يتطلّب صراحة وصدقا في التّوجُّه، وصرامة في التنفيذ والتطبيق إذ يصبح هذا القطاع مؤسّسة سيّادية لأنّه باختصار مؤسّسة لصناعة الإنسان الذي به وله يعود الأمر كله في ترقيته وإعداده.
واقتران العلم بالتربية جزءٌ من رسالة التعليم الهادف إلى إيجاد الإنسان المؤمن بقيم المجتمع الذي ينتسب إليه، وكلّما تكاملا ترسّخت عوامل النجاح والرّيادة.
ثانيا: إحياء قيمة العمل، إذ يرتبط شرف الوجود الإنساني بما يقدّمه من إنتاج لمجتمعه.
إنّ الإنسان الذي يكسب من دون جهد هو خلية مرضية في المجتمع، كما أنّ الثروة المبنية على أواصر الولاءات والصداقات والترضيات سرطانٌ اجتماعي وفيروس قاتل للتنمية ووسيلة لفقد الثقة وتوسيع لدائرة اللا شرعية في الكسب، ومن ثَمَّ هدم قاتل لشرف العمل واستفراغ الجهد في الثراء المشروع والكسب الحلال.
إنّ التّهرب من أداء واجب العمل على أيّ مستوى كان من دون محاسبةٍ هو ظاهرةٌ يجب التّصدي لها بكل صرامة. ولعلّ أهمّ الأمراض البدنية والاجتماعية التي نعاني منها اليوم تعود إلى كسبِنا غير المشروع، فقد توصّل الأمر -كما يُشاع- إلى بيع تراخيص الحجّ بغرض الحصول على المال، فلا غَرو أيضا أن يصبح كل شيء مجالا للبيع والشّراء بما في ذلك الكسب على العمل الذي لا يقوم به صاحبه.
ثالثا: صيانة حرية الإنسان واحترام إرادته في الاختيار ضمن نظام قانوني يجعل الإنسان غايته ووسيلته. ومتى علم الإنسان أنّه حرٌّ وأنّ حرّيته محدودة بحرّية غيره ضِمن نظام صارم يضمن العدل والمساواة، انعكس ذلك على النسيج الاجتماعي العامّ وأصبح النّظام العامّ هو السّياج الأكبر لانسجام الأفراد فيه أيّا ما كانت مراكزهم وأوجه نشاطاتهم.
والإنسان الحرّ هو إنسانٌ مسؤول، فلا حرّية دون مسؤولية، ولمّا كان الأمر كذلك، أخذت الحرّية الإنسانية مفهومها الذي يقيها تفاهات الانحراف باسم الحرية كل مظاهر الانحراف الفردي أو الاجتماعي، وتحصّن المجتمع بذلك من غوغاء الاستيلاب والاستغراب.
هذه الثلاثية هي الدعائم الكبرى لرباعية الأمن الإستراتيجي للدولة والأمة.
إنّ الرّكيزة الرّابعة في معالجة المجتمع وإصلاحه وإعادة بعثه هي الأمن، وهذه الركيزة الرابعة لا تتأتّى بالقوة الأمنية وحدها ما لم تكن الرّكائز الثلاثة المُشار إليها أعلاه مُوطَّدة ومُمارسة حقيقة واقعية.
وما لم يتم تدارك الأمر بهذا العمق والجِدّية، فإنّ كل الوعود والخيارات -حتى ولو بدت ظاهريا في صالح الناس- لن تكون سببا لانبعاث الأمّة من جديد نحو التطور والسؤدد.
والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!