المصالحة الفلسطينية والعربية مدخلٌ لاستقرار المنطقة
تحيي الجزائر الذكرى الثامنة والستين للثورة التحرير الجزائرية، على أمل أن نستخلص من محطاتها ورسالتها الخالدة ومشروعها الحضاري، دروسا وعبرا للتصحيح وتعديل واستشراف المستقبل. حضيت الثورة التحريرية الجزائرية وتجربتها التاريخية باهتمام الكثير من الباحثين على اختلاف جنسياتهم وايديولوجياتهم، للأهداف النبيلة التي كانت ترمي إليها، والمبادئ الفكرية والقيم الإنسانية التي تأسَّست عليها، وكذا مشروعها الحضاري المتمثل في إرساء قواعد الدولة الوطنية العصرية على الساحة الدولية في فترة ما بعد الاستقلال.
ولعل ما يجسد هذا البعد الفكري والانساني لأدبيات ونصوص الثورة الجزائرية، هي تلك المعركة السياسية التي جرت بين القوات الوطنية والاستعمار، والتي لم تكن فقط معركة قمع وسجون وإضرابات وانتخابات وقوانين مجحفة وتمرد صارم عليها، بل كانت أيضا معركة مفاهيم ومبادئ وقيم تتصارع فيها الأفكار بين الاستعمار وأطياف الحركة الوطنية، وما حملته من مشروع حضاري مفعم بالمبادئ والقيم الانسانية النبيلة.
لقد غيّرت ملحمة الثورة الجزائرية، بحق، الخريطة الجيو- سياسية بالمنطقة العربية والإفريقية، باسترجاع الجزائر لسيادتها، وتثبيت الاستقلال التونسي والمغربي، وهزم الامبراطورية الاستيطانية الفرنسية في كامل إفريقيا، ونالت العديد من الدول الافريقية استقلالها تباعا، وأصبحت الثورة الجزائرية أنموذجا يحتذى به في الكفاح ضد كل أشكال الظلم والغطرسة واستعباد الشعوب، ودليل ذلك تنامي حركات التحرر في العالم بأسره.
وبعد الاستقلال، انطلقت مرحلة البناء والتشييد الدولة الوطنية أو القُطرية، والتي لم تكن سهلة قطّ بسبب العراقيل والصعوبات والألغام والقنابل الموقوتة التي زرعها الاستعمار الفرنسي وتركها قابلة للانفجار، ومن بينها الملاحق السرية لاتفاقيات الاستقلال ومسألة الحدود والجهل والفقر، مما أثر على مشروع وحدة المغرب العربي الكبير، الذي ناضلت من أجله الحركات التحريرية والوطنية والحزبية المغاربية، ودعت إلى تجسيده على الأرض الواقع بعد طرد الفرنسيين، وبالرغم من المصالحة التاريخية الأولى في قمتي زرالدة ومراكش وتأسيس اتحاد المغرب العربي في فيفري 1989، بقى الاتحاد المغاربي يدور في حلقة مفرغة.
لقد غيّرت ملحمة الثورة الجزائرية، بحق، الخريطة الجيو- سياسية بالمنطقة العربية والإفريقية، باسترجاع الجزائر لسيادتها، وتثبيت الاستقلال التونسي والمغربي، وهزم الامبراطورية الاستيطانية الفرنسية في كامل إفريقيا، ونالت العديد من الدول الافريقية استقلالها تباعا، وأصبحت الثورة الجزائرية أنموذجا يحتذى به في الكفاح ضد كل أشكال الظلم والغطرسة واستعباد الشعوب.
وباعتبار الدولة الجزائرية وصية ومؤتمنة على رسالة الثورة الجزائرية ومبادئها وتجسيدها على أرض الواقع، ساهمت في كل الحروب العربية الإسرائيلية من أجل تحرير فلسطين ودعمت القضية والنضال الفلسطيني معنويا وماديا ودبلوماسيا ووجهت دعوة الى المنظمات الفلسطينية لزيارة الجزائر والمشاركة في اجتماع الحوار المصلحة وترميم البيت الفلسطيني من الداخل وتحتضن الجزائر الدورة 31 للقمة العربية من1 إلى 2 نوفمبر 2022 ومن المأمول أن تتم المصالحات العربية العربية وإيجاد الحلول للعديد من القضايا والملفات مثل الملف الليبي واليمني والسوري وارجاع سوريا الى مقعدها في الجامعة العربية وإعادة طرح وتفعيل المبادرة العربية للسلام لسنة 2002 لحل الصراع الفلسطني مع الكيان الصهيوني في إطار الأقْلمة.
وقد سبق للجزائر أن طرحت مشروعا لاصلاح البيت العربي تقدَّم به الوزير الخارجية السابق عبد العزيز بن خادم قبل قمة الجزائر التي عُقدت في مارس 2005، والمتمثل في اعتماد مبدأ التصويت وتدوير منصب الأمانة العامّة وضخّ دماء جديدة في مؤسسة الجامعة العربية ووضع خريطة طريق للمصالحة بين الإخوة والأشقاء الليبيين واليمنيين والسوريين لوضع حد لسفك الدماء والدخول في مرحلة بناء الدولة الجديدة يعيش فيها في كنف الأمن والسلام والاستقرار والرفاهية والتعايش والتوافق.
يحتل الوطن العربي موقعا استراتيجيا هاما جدا، ويحظى بكثافة سكانية تصل إلى 437,812,546 نسمة أغلبها من فئة الشباب، ويختزن فوق ذلك ثروات باطنية اقتصادية هائلة، لذا يؤمل تحقيق الوحدة باصلاحات سياسية عميقة، وإصلاح البرامج التعليمية والرقي بالمنظومة التربوية وتحسين جودتها، والمراهنة على جودة التعليم والبحث العلمي وتطوير الجامعات العربية خاصة بعد كوفيد19، ووضع حد للهجرة السرية عبر قوارب الموت والجريمة المنظمة ومكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة وتشغيل الشباب…
ولابد من إعادة تفعيل مشروع مؤسستي الجامعة واتحاد المغرب العربي في تحقيق الوحدة العربية المغاربية، لابد من التركيز على التعاون الثنائي، واعتباره قاطرة ومدخلا للوحدة، لابد من العمل على تطوير العلاقات التونسية الجزائرية وبعد تحسُّن الوضع الصحي على المستوى الاقتصادي والتجاري بخريطة طريق والمتمثلة في فتح معابر برية جديدة على طول الحدود البرية التونسية الجزائرية والتي أصبحت مطلبا شعبيا، وزيادة في عدد الرحلات الجوية من تونس في اتجاه كل من قسنطينة وسطيف والجزائر وهران وفتح خطوط بحرية من تونسا تجاه كل من عنابة والجزائر وهران وبجاية، وإعادة تشغيل خط السكك الحديدية المعطل منذ سنة 2006 لأسبابٍ تقنية من تونس اتجاه كل من عنابة الجزائر ووهران وربطه بالجنوب الجزائري، وتفعيل الاتفاقيات المبرَمة بين الطرفين التي بقيت حبرا على ورق، وتنشيط الحياة الاقتصادية والتجارية، وخاصة في المناطق الحدودية التونسية الجزائرية، وإحداث مناطق حرة على طولها للتبادل التجاري والفلاحي، والتدخل والوساطة بين الفرقاء السياسيين بتونس كل هذه الإجراءات ستساهم في حلحلة الأزمة واستقرار السياسي للتجربة الديمقراطية التونسية ويبعدها عن التدخل الإقليمي والدولي.
أملنا كبير في القيادات والنخب والمجتمع المدني العربي، بتشبيك العلاقات وتمتين أواصر الأخوّة والمصالحة، وارجاع الاستقرار الى تونس وليبيا وسوريا واليمن ولبنان والعراق، والدعوة إلى الوحدة، وإحياء مشروع الاتحاد أو كنفيدرالية المغرب الكبير بأبعادها الأمازيغية– والعربية- والافريقية، وتأسيس دولة المواطنة المنشودة. ويبقى الأمل في الحراك السياسي، لتقيم المرحلة وتصحيح الاخلالات ومحاربة الفساد والحوكمة الرشيدة، والتنمية الخاصة بالمناطق الحدودية وتشجيع الاستثمارات فيها، وتخليص المنطقة من الهيمنة الفرنسية، على المستوى الثقافي والسياسي والاقتصادي والتجاري، باسترجاع الاستقلال التام والدمقرطة، ووأد الثورات المضادة والدولة العميقة، وتنويع العلاقات مع الصين والهند وغيرها من الدول الصاعدة، وهذه البوصلة وخريطة الطريق التي ستعجِّل بالوحدة العربية وتحقق الحلم، وتبقى رسالة الثورة الجزائرية في بعدها العربي والمغاربي ودماء الشهداء حية تنير الدرب والسبيل للاجيال القادمة في الوطن العربي والمغرب الكبير، والعزة والخلود للشهداء.