المعارضة في حملة عبر الولايات لإقناع الجزائريين
يقدم الداعمون لـ”ندوة الانتقال الديمقراطي” والمعارضون لها، قراءات سياسية متناقضة للمبادرة. فبينما يعتبر أنصار الندوة ما حصل بالأمس في فندق مزفران، إنجازا غير مسبوق منذ الاستقلال، يعتقد المعارضون لها، أن المبادرة تأتي استدراكا لخسارة أوراق تفاوضية بسبب سياسة الكرسي الشاغر.
ويعتبر وزير الاتصال والثقافة الأسبق، عبد العزيز رحابي، من بين الذين يصفون الندوة بـ”الإنجاز”، لأن المعارضة لم يسبق لها أن التقت على طاولة واحدة منذ خمسين سنة خلت، بسبب الحساسيات المتعلقة بالمرجعيات، يقول رحابي، “اليوم بحكم الوضع السياسي السائد والذي يطبعه الانسداد، سقطت الحساسيات وتم وضع المرجعيات جانبا، من أجل الوصول إلى أرضية ديمقراطية”.
ومن الاختراقات التي حققتها ندوة مزفران بحسب الوزير الأسبق، كسر المظاهر التي سممت العلاقات بين السياسيين، وليس أدل على ذلك، كما قال في اتصال مع “الشروق” أمس: “صورة قيادي الأفافاس وهو جالس إلى جانب قيادي آخر في الأرسيدي، ووجود إسلامي إلى جانب علماني.. هذا يؤكد وصول الطبقة السياسية إلى مرحلة من النضج”.
وبرأي المتحدث فإن “الجزائريين فهموا أن ما يجمعهم هو الحرية والديمقراطية، وهذا من النتائج الإيجابية لأزمة التسعينات، التي أقنعت الجزائريين بأن المرجعيات التي كثيرا ما فرقتهم، لا تخدم سوى المصالح الشخصية الضيقة ولا تخدم البلد”.
أما عضو المكتب السياسي في حزب جبهة التحرير الوطني، السعيد بوحجة، فيرى المبادرة فشلا لخيار المقاطعة، ويعتبر الأرضية التي تمخضت عن ندوة فندق مزفران بزرالدة “صيغة من الصيغ لتمكين المعارضة أو بالأحرى المقاطعين، من المشاركة بطريقة غير مباشرة في المشاورات التي يديرها مدير الديوان برئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى حول تعديل الدستور، تسمح لهم بتقديم مقترحاتهم في الوثيقة التي يقولون إنهم سيسلمونها للسلطة”.
ويعتقد السعيد بوحجة أن موقف السلطة من الأرضية التي تعتزم المعارضة رفعها إليه “محكومة بطبيعة ما تتضمنه من مقترحات، فهناك من يؤخذ بعين الاعتبار وهناك من يرفض. فالسلطة في حد ذاتها لم تغلق الباب أمام مطالب المعارضة وأعتقد أنها جادة في الوصول إلى توافق، إلا ما تعلق بالثوابت الوطنية”.
ويذهب القيادي في الحزب العتيد إلى الاعتقاد بأن ما حدث كان حيلة من السلطة لإنقاذ مشاوراتها حول الدستور، ما دام أنها هي من رخصت بعقد الندوة، وأوضح في اتصال مع “الشروق” أمس: “الغاية من الدستور المقبل هو تمكين المعارضة من فضاءات جديدة قوامها الحرية والديمقراطية، كما هو الحال في الدول المتقدمة التي تقر بحق الأقلية، وأعتقد أن رفع تنسيقية الانتقال الديمقراطي لأرضية مطالبها أو مقترحاتها للسلطة سيساهم بشكل أو بآخر في إثراء المشاورات حول تعديل الدستور”.
وتابع المتحدث باسم حزب جبهة التحرير الوطني: “من اجتمعوا في قمة مزفران الكثير منهم قاطعوا الانتخابات الرئاسية وحفل أداء اليمين الدستورية للرئيس بوتفليقة، وبعدها المشاورات حول تعديل الدستور، وهم يرون أن خيار المقاطعة هذا لم يجلب لهم أي نتيجة، وصوتهم لم يسمع. وما قاموا به يندرج في إطار هذا الانشغال”.
ويتنازع “تنسيقية الانتقال الديمقراطي” بعد عقدها ندوة أمس، اتجاهان، الأول يدفع نحو نزول وفد من “التنسيقية” إلى الولايات من أجل شرح الأرضية للجزائريين، وأسباب إطلاقها وبلورة آليات تجسيدها، ويستهدف هذا التوجه تجنيد الشارع من أجل الضغط على السلطة لحملة على الانصياع لأرضية الندوة.
ويأتي هذا التوجه في وقت ينازع توجه آخر نحو التفكير في رفع التوصيات التي خلصت إليها الندوة إلى السلطة، من أجل إقامة الحجة عليها وتحميلها تبعات سياسة الهروب إلى الأمام التي كانت ديدنها على مدار سنوات طويلة.