الرأي

المعارك التافهة….. والمعركة المنسية! (2)

سلطان بركاني
  • 404
  • 0

من طبائع النّفس أنّها لا تفكّر في العواقب ولا تكترث بها؛ همّها أن تنال رغباتها في أسرع وقت ممكن، لذلك تسوّغ لصاحبها النّظر إلى الحرام وقضاء شهوته وتسهّل له أكل الحرام وتبرّره له، وتلحّ عليه وتحول بينه وبين التفكير في عاقبة الشهوة المحرّمة في الدّنيا والآخرة، وتغضّ بصره عن بدائل الحلال، حتّى إذا وقع في الحرام وغشيته ذلّة المعصية واكتوى بنارها تذكّر العاقبة وأدرك أنّ نفسه قد خدعته. قد يكره نفسه في تلك اللحظة ويمقتها، لكنّه سرعان ما يعود إلى طاعتها والثقة بها إذا دعته إلى الشهوة العاجلة والحظّ الفاني مرّة أخرى.

وحده العبد المؤمن العاقل لا ينسى طباع نفسه ويتذكّر دائما وأبدا أنّها كالطّفل الصّغير الذي لا يدرك مصلحته ويحتاج إلى من يربّيه ويزجره… ورمضان فرصة عظيمة للتدرّب على مخالفة النّفس وعلى زجرها وردعها وكبح جماحها… وكما يصوم العبد عن الحلال في نهار رمضان ويصبر حتى يظفر برغبته عند الإفطار، فهو يربّي نفسه على أن تصبر عن كلّ شهوة محرّمة وكلّ رغبة آثمة، حتّى تلقى الله وتجد عنده من الملذّات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ((قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا)).

النّفس من طبعها –كذلك- أنّها متمرّدة تكره التّكاليف وتستثقل الأوامر والنواهي، وتحبّ الحرية والانطلاق… تكره ما يحتاج إلى جهد وعمل، وتحبّ ما فيه الرّاحة والعطالة واللّغو… وهي لا تستثقل العمل الذي تقوم به آخرة العبد فقط، بل حتّى العمل الذي تصلح به دنياه فهي تكرهه ولا تحبّه… لذلك نرى كثيرا من شبابنا، أغلى أماني الواحد منهم أن يستفيد من راتب كبير من دون أن يعمل، حتى أصبح بعضهم يقول: أريد أن أتزوج امرأة عاملة تنفق عليّ! يفرّ من كلّ عمل فيه شيء من المشقّة، ولو كان عملا ضروريا في البيت، فتجده يعصي أمر أبيه ويرفع صوته في وجه أمّه إذا طلبت منه أيّ مساعدة، بل حتّى غرفته تجده يستثقل ترتيبها، لأنّ نفسه متعلّقة بالهاتف وصفحات اللهو واللّغو وجلسات القيل والقال مع الأصدقاء والخلان.

هذا في أمور الدّنيا التي يحتاج إليها العبد في يومه وحينه وأوانه، كيف بأمور الآخرة التي ترى النفس الأمّارة بالسّوء أنّها لا تزال بعيدة وأنّ العمل لها ليس مستعجلا؟! والعبد إذا أطاع نفسه في إدمان الرّاحة وكره التكاليف، فإنّه سيضيّع دنياه ودينه وآخرته… والعاقل يخالف نفسه، ويلزمها أداء واجباتها؛ كلّ واجب في وقته، ويقطع عنها راحتها وهي في أوج استمتاعها بها، ويأخذ بتلابيبها إلى العمل، لأنّه يدرك أنّ الرّاحة التي تعقب العمل وأداء الواجبات أنفع وأمتع وألذّ من الرّاحة الخادعة التي تكون على حساب الواجبات ويعقبها الهمّ والغمّ والكآبة.

النّفس من طبعها –كذلك- أنّها بخيلة تكره الإحسان وتقديم العون للآخرين، لضعف إيمانها بالآخرة وقلّة علمها بسنن الله في خلقه؛ فالله -جلّ وعلا- قد جعل بركة المال ونماءه في الإنفاق والإحسان، وجعل محقه وزوال بركته في البخل والإمساك: قال -تعالى-: ((مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))، وأعدّ سبحانه للمحسنين أجرا عظيما ودرجات عالية في الجنّة: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون))… والعبد المؤمن العاقل يربّي نفسه على الجود والكرم، ويطهّرها من البخل والشحّ، وإذا كان يدّخر من ماله نصيبا تحسّبا لحاجات الدّنيا الطارئة وتحسبا لتقلّب الزّمان، فإنّه يرسل من ماله شيئا لقبره وآخرته… وحاجة العبد يوم القيامة لصدقته التي يقدّمها في الدّنيا، أشدّ وأعظم من حاجته لماله في نوائب الدّهر ومصائبه.

النّفس من طبعها –كذلك- أنّها لا تشبع من المال حتى لو استغرق طلبه الوقت كلّه، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى واديين، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب… والعبد المؤمن العاقل لا يسمح لنفسه بأن تتمادى في طلب المزيد حتى تنشغل به عن الصلاة والقرآن وذكر الله وعن يوم الوعيد ((وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا))… العبد المؤمن العاقل يجعل حدا لنفسه لا يسمح لها بتجاوزه، ولا يسمح لنفسه بأن تُدخل الدّنيا إلى قلبه، ولا يسمح لها بأن تشغله بالمال عن صلاته ووالديه وأهله وأبنائه.

النفس من طبعها –كذلك- أنّها تتعلّق بالمظاهر الفانية على حساب الجواهر الباقية، حتّى توصل العبد إلى أن يكون عبدا ذليلا لمظهره ومنصبه وسيارته؛ نظرُ النّاس إليه أهمّ من نظر الخالق سبحانه، ورضا النّاس عنه أهمّ لديه من رضا خالقه؛ فهو لا يجد غضاضة ولا حرجا في أن يعصي خالقه ليرضى عنه النّاس… أمّا العبد المؤمن العاقل فإنّه يخالف نفسه ويربّيها على أنّ نظر الخالق الذي يملك الرزق والأجل والنفع والضرّ أهمّ من نظر المخلوق الذي لا يملك شيئا، ويوطّن نفسه على أن تسأل في كلّ أمر تريده: هل يرضي الله سبحانه؟ هل سيكون في ميزان الحسنات أم في ميزان السيئات؟ هل أرضى أن أموت عليه؟

النّفس من طبعها –كذلك- أنّها سريعة إلى الغضب تحبّ الانتقام، وتفضّل أن تأخذ حقّها في الدّنيا… ولكنّ العبد المؤمن العاقل يكبح جماحها، ويوطّنها على التجاهل والصّبر وعلى إهمال المعارك التافهة، وعلى تأجيل حسم بعض المعارك، ويعلّمها أنّ المنتصر حقا هو من يتنصر في الأخير، وأنّ ما عند الله للكاظمين غيظهم أعظم وأنفع من كلمة أو موقف يردّ به العبد في الدّنيا: ((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ))، ((وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ))… ورمضان فرصة سانحة لتخليص النفس من حبّ الانتصار والانتقام، يقول النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “إذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرفُثْ، ولا يصخَبْ، فإن سابَّهَ أحدٌ، أو قاتَلَه؛ فلْيقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِمٌ”.

رمضان قادم بعد أيام، ليصحّح بوصلتنا، ويذكّرنا بأنّ معركتنا الحاسمة ليست مع جيراننا وأقاربنا على الميراث أو الأرض أو النافذة والشرفة، إنّما هي معركتنا مع أنفسنا الأمّارة بالسّوء التي ابتلينا بها… رمضان يشحذ هممنا وأسلحتنا لنستأنف معركتنا بكلّ قوة، ويعلّمنا كيف ندوم عليها حتى نلقى الله ونحن لم نستسلم… رمضان فرصة عظيمة لنكسب جولة مهمّة مع النفس والشيطان… الشيطان في رمضان يضعف، والنفس كذلك تضعف وتلين… والمغبون حقيقة هو من ضيّع الفرصة، يوم يرحل رمضان والشّيطان لا يزال في أوج قوته، والنّفس لا تزال في أوج تمرّدها وفي حضيض غفلتها وغرقها في الشّهوات.

مقالات ذات صلة