الرأي

المعضلة الليبيّة وتأثيرها على الأمن القومي الجزائري

لم تعد الأزمة الليبية مطلع عام 2026 مجرد نزاع محلي عابر، بل استقرت كمعضلة جيوسياسية بنيوية تُلقي بظلالها على الشمال الإفريقي وحوض المتوسط.

وتأتي واقعة اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فيفري 2026 لتمثل “نقطة انكسار” حادة في مسار التسوية السياسية، ساهمت في بعثرة أوراق القوى الفاعلة وإعادة صياغة موازين القوى على أسس أكثر تعقيدا. من هنا، باتت هذه المعضلة تمس صلب الأمن القومي الجزائري بأبعاده العسكرية، والسياسية، والاجتماعية؛ إذ لم تعد الدولة الجزائرية تتعامل مع الوضع الليبي كشأن خارجي، بل كمتغير بنيوي يؤثر مباشرة على حالة الاستقرار الوطني.
ولتحليل وفهم تأثيرات الأزمة الليبية على الحالة الجزائرية، يفرض ذلك ضرورة تشريح هذه المهددات وفهم آليات اشتغالها، في ظل تداخل أجندات القوى العظمى وبروز أنماط جديدة من حروب الاستنزاف العابرة للحدود.

المحور الأول: تشريح البنية السياسية والقبلية الليبية
لم تكن الأزمة الليبية يوما صراعا محليا معزولا، بل نتاج تداخل معقد بين غياب المؤسسات السيادية وتضارب المصالح الدولية. إن فهم الواقع الراهن يتطلب العودة إلى جذور التفكك الهيكلي للدولة وكيفية تحول الصراع من ثورة ضد النظام إلى “حروب استنزاف” مركبة مست سيادة الدولة وتماسكها الاجتماعي.

1. الجغرافيا السياسية للفراغ: تآكل المركز وبروز الفاعلين “تحت الدولتيين”:
أنتج التدخل العسكري المباشر لحلف “الناتو” عام 2011، وما تبعه من سقوط مفاجئ وشامل لمؤسسات الدولة، فراغا مؤسساتيا وأمنيا كبيرا، أُسقِط فيه “الاحتكار المشروع للقوة”، بتعبير ماكس فيبر، مما حوَّل المدن الكبرى مثل مصراتة والزنتان وبنغازي إلى وحدات سياسية وعسكرية تمتلك أدوات قرارها المستقل. وفي خضم الانقسام الحاد الذي أعقب انتخابات البرلمان عام 2014 وفشل عملية الانتقال السياسي، برز المشير “خليفة حفتر” كقائد للمحور العسكري بالجهة الشرقية مدعوما من قوى إقليمية (مصر والإمارات)، مقابل الجيش الليبي الملتفّ حول حكومة طرابلس، ما كرس الانشطار الجيوسياسي للدولة وحوّلها إلى قطبين عسكريين متصارعين يتقاسمان النفوذ بين الشرق والغرب.
وفي ظل هذا الوضع المتفلت، برزت القبيلة كفاعل “تحت دولتي” يضطلع بمهام الأمن والقضاء؛ إذ شكلت قبائل مثل “الزنتان” في الغرب و”العبيدات” في الشرق ركائز للتحالفات الميدانية، بينما ظلت قبائل “التيار الأخضر” (القذاذفة، ورفلة، والمقارحة) كتلة ديموغرافية وازنة حافظت على تماسكها الاجتماعي، بانتظار لحظة استعادة دورها السياسي التي تجلت لاحقا في مشروع سيف الإسلام القذافي قبل واقعة اغتياله.

2. مأسسة الانقسام البنيوي: استراتيجيات المحاصصة والارتهان للخارج (2014 – 2026):
اتسم المسار السياسي بإنتاج سلطات تنفيذية موازية حالت دون توحيد المؤسسات السيادية؛ فبعد فشل “المؤتمر الوطني العامّ” في احتواء التجاذبات، تكرست ثنائية السلطة بين حكومة “الإنقاذ” بطرابلس وحكومة “الثني” في الشرق. ورغم توقيع اتفاق الصخيرات سنة 2015، إلا أن عجز حكومة الوفاق عن بسط نفوذها واصطدامها بالقيادة العامة في الشرق كرس حالة الانقسام.

 جاءت حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فيفري 2026 بمدينة الزنتان لتنهي هذا الصراع بـ”التصفية” بدلا من صناديق الاقتراع، وتكشف هشاشة الضمانات القبَلية أمام العمليات الاستخباراتية والحسابات المتجاوزة لإرادات الداخل. هذا الاغتيال وأدَ عملية سياسية بدأت تتلمّس آمال الليبيين في التوحيد، ووضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة لعودة الصراع العسكري المباشر، ما يمثل تحديا أمنيا مستعادا يطرح تساؤلا جوهريا حول مآلات الخارطة الجيوسياسية وكيفية تعامل القوى الدولية والإقليمية مع واقع ما بعد الاغتيال.

استمر هذا الوضع مع “حكومة الوحدة الوطنية” برئاسة الدبيبة، والتي واجهت منافسة من الحكومات الموازية، مما حوّل الدولة إلى ساحة للمقايضات المصلحية؛ إذ وظفت هذه الحكومات الغطاء الاجتماعي للقبائل والمدن الكبرى (مصراتة، الزنتان، ترهونة) لتأمين النفوذ الميداني مقابل الاعتمادات المالية والمناصب الإدارية. هذا الانقسام، المرتهن لتوافقات القوى الدولية، أدى إلى تآكل نمط “المحاصصة”، وبروز قوى النظام السابق كحل ثالث يطرح مركزية السلطة استجابةً لتحديات التفكك القائم.

3. سيف الإسلام القذافي: رهان الخيار الثالث وإرباك التصفية:
منذ اعتقال سيف الإسلام القذافي بالزنتان عام 2011، برز اسمه كمتغير سياسي ارتبط بتبدلات موازين القوى؛ إذ تحولت وضعية تواجده بهذا المعقل من “احتجاز قانوني” إلى واحد من أهم أدوات الضغط السياسي بيد القوى المحلية. وخلال سنوات إقامته مارس نشاطا اتسم بدبلوماسية هادئة، مكنته من نسج تحالفات عابرة للاصطفافات وتجاوز جزء من خصومات 2011، مستفيدا من محوريته السياسية والاجتماعية لتسويق نفسه بديلا لاستعادة الدولة المركزية. إلا أن هذا الصعود اصطدم بمحاولات إقصائه عبر فيتو قانوني وسياسي، تمثل في الملاحقات الدولية والاشتراطات الإقصائية بالقوانين الانتخابية. ظل سيف الإسلام يطرح نفسه مرشحا أساسيا لانتخابات ربيع 2026 المزمع تنظيمها، مستندا لحاضنته الشعبية واتفاقات ميدانية تجاوزت الانقسام القانوني القائم.

انتقلت واشنطن إلى إستراتيجية “الاحتواء النشط” للمزاوجة بين المصالح الطاقوية والصراع الاستراتيجي؛ فبينما يضمن “العطب السيادي” الليبي تدفق النفط والغاز بأسعار تفضيلية لشركاتها، ينصبُّ تركيزها على تقويض الطموحات الروسية ومنع تحوُّل ليبيا إلى منصة “أوراسية (روسية- تركية)” دائمة، مما جعل القرار الوطني مرهونا لتوازنات المصالح الدولية.

وفي هذا السياق، جاءت حادثة اغتياله في 3 فيفري 2026 بمدينة الزنتان لتنهي هذا الصراع بـ”التصفية” بدلا من صناديق الاقتراع، وتكشف هشاشة الضمانات القبَلية أمام العمليات الاستخباراتية والحسابات المتجاوزة لإرادات الداخل. هذا الاغتيال وأدَ عملية سياسية بدأت تتلمّس آمال الليبيين في التوحيد، ووضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة لعودة الصراع العسكري المباشر، ما يمثل تحديا أمنيا مستعادا يطرح تساؤلا جوهريا حول مآلات الخارطة الجيوسياسية وكيفية تعامل القوى الدولية والإقليمية مع واقع ما بعد الاغتيال.

المحور الثاني: الجيوسياسة الدولية والامتدادات الإقليمية
لم يعد المشهد الليبي مجرد صراع محلي، بل استحال “نقطة ارتكاز” في استراتيجيات قوى عظمى وإقليمية تعيد تعريف نفوذها في القارة الإفريقية وحوض المتوسط.

1. مشاريع تقاسم السيادة وتوازن الردع (روسيا، وتركيا، والولايات المتحدة):
تكرَّس في ليبيا واقعٌ يفرضه وجود عسكري أجنبي مباشر، إذ تحوّل المشهد إلى ساحة تصادم بين طموحات القوى العظمى:
• المشروع الروسي (الارتكاز البديل): لم تعد موسكو تنظر إلى ليبيا كمنطقة نفوذ عارضة، بل كـ”بديل استراتيجي” يعوِّض تعقيدات جبهتها السورية؛ فهي تمنحها ميزة “الارتكاز المزدوج”: إطلالة متوسطية، وقاعدة انطلاق صلبة نحو العمق الإفريقي عبر “الفيلق الإفريقي” وريث “فاغنر”.
• المشروع التركي (النفوذ المقابل): في انتهاز لفرصة الاستقطاب، عززت أنقرة تموضعها غربا باتفاقيات أمنية بعيدة المدى، محولة قاعدتي “الوطية” و”مصراتة” إلى مراكز نفوذ تخدم إستراتيجيتها في شرق المتوسط والساحل، مما خلق حالة “توازن ردع” هش أمام المعسكر الشرقي.
• الدور الأمريكي (إستراتيجية الاحتواء): انتقلت واشنطن إلى إستراتيجية “الاحتواء النشط” للمزاوجة بين المصالح الطاقوية والصراع الاستراتيجي؛ فبينما يضمن “العطب السيادي” الليبي تدفق النفط والغاز بأسعار تفضيلية لشركاتها، ينصبُّ تركيزها على تقويض الطموحات الروسية ومنع تحوُّل ليبيا إلى منصة “أوراسية (روسية- تركية)” دائمة، مما جعل القرار الوطني مرهونا لتوازنات المصالح الدولية.

2. الامتداد الإفريقي: تداخل الأزمات وإستراتيجية الممرات:
• الجبهة السودانية (من تصدير المقاتلين إلى استنزاف السلاح): شهدت المعادلة الأمنية تحولا جذريا؛ إذ باتت ليبيا “خزانا لوجستيا” يمد أطراف الصراع بالسودان بالسلاح عبر منطقة “الكفرة”، مما أدى إلى إطالة أمد الحرب واستعصاء حسمها ميدانيا، محوِّلا الجنوب الليبي إلى مركز ثقل لتغذية الحروب الإقليمية العابرة للحدود.

يحلَّل الدور الوظيفي الإماراتي كعنصر “تدخل نشط” يسعى إلى إحباط مشاريع الاستقرار السيادي التي لا تتماشى مع أجندته. ويتجاوز دورُه الدعم العسكري إلى تمويل “اقتصاد الظل”؛ إذ تشير تقارير إلى تورط أموال إماراتية في إنتاج حبوب “المؤثرات العقلية” وتصديرها كسموم عابرة للحدود.

• جبهة الساحل (قوس عدم الاستقرار): يمثل الجنوب الغربي (فزان) حلقة الوصل الأخطر في قوس الأزمات؛ إذ تحولت الحدود إلى “طريق تهريب” للسلاح والبشر والمخدرات. هذا “الاقتصاد الموازي” بات العصب المالي للجماعات المسلحة، مما جعل الجغرافيا الليبية قاعدة خلفية تغذي بؤر التوتر في الساحل، وتكرس واقع “السيادة المستباحة”.

3. مواقف دول الإقليم والتواجد الوظيفي:
تتقاطع في ليبيا أجنداتٌ إقليمية تحاول صياغة مستقبل البلاد بما يخدم أمنها القومي أو طموحاتها:
• الموقف المصري (تأمين الجبهة الغربية): يركز على تأمين العمق الاستراتيجي الشرقي ومنع تصدير التهديدات نحو القاهرة، ما دفعها لدعم قوات “حفتر”. ورغم تقاطع مصالحها مع الجزائر حول الاستقرار، إلا أنها تختلف جوهريا في “تكتيكات الميدان” ورؤية شكل النظام السياسي القادم.
• الموقف الإماراتي (الدور الوظيفي): يُحلَّل كعنصر “تدخل نشط” يسعى إلى إحباط مشاريع الاستقرار السيادي التي لا تتماشى مع أجندته. ويتجاوز دورُه الدعم العسكري إلى تمويل “اقتصاد الظل”؛ إذ تشير تقارير إلى تورط أموال إماراتية في إنتاج حبوب “المؤثرات العقلية” وتصديرها كسموم عابرة للحدود.
• الموقف الجزائري (ثبات المبادئ والأمن القومي): ينطلق من مبدأ “ليبيا للّيبيين” ورفضِ التدخل الأجنبي، معتبرا استقرار ليبيا جزءا من أمنه القومي. وقد دفع انتشار “حرب السموم” الجزائرَ إلى استنفار قواها لمواجهة محاولات استنزاف استقرارها وتفكيك نسيجها الاجتماعي، مما جعل هذا الملف نقطة ارتكاز للتوترات في المنطقة.

المحور الثالث: المقاربة الجزائرية تجاه الأزمة الليبية
انتقلت الإستراتيجية الأمنية الجزائرية من مرحلة “تأمين الحدود” التقليدية إلى مرحلة “الردع النشط”؛ وهي إستراتيجية تعتمد على استباق التهديد في “المناطق العمياء” وتحييده على خط التماس، قبل انفلاته إلى الداخل الجزائري.

1. التحوُّل إلى الردع الميداني والرقابة التكنولوجية:
تجلَّى هذا التحوُّل في فرض إغلاق تكنولوجي شامل على الشريط الحدودي (982 كلم)، عبر توظيف منظومة متكاملة تربط الأقمار الإصطناعية الجزائرية بطائرات “الدرون” الاستطلاعية التي تعمل على مدار الساعة، لرصد أي تحركات مشبوهة في العمق الصحراوي الوعر. وتتجلّى فلسفة الردع هذه في القدرة على تحويل الجاهزية العسكرية إلى رسائل سياسية حاسمة، وهو ما ترجمته المناورة الإستراتيجية “بركان 2019” بمنطقة جانت، والتي أثبتت انتقال الجيش الجزائري من وضعية المراقبة إلى وضعية الردع.
لقد جاء إرباك المشهد الليبي باغتيال سيف الإسلام القذافي في فيفري 2026، ليفرض تحديات متسارعة تستوجب جهدا استباقيا لزيادة تأمين الحدود ومنع أي ارتدادات أمنية أو محاولات اختراق قد تنفذها الجماعات المسلحة، مستغلةً حالة الإرباك السياسي الحاصل.

2. مجابهة “التهديدات الهجينة” ومعضلة اقتصاد الظل:
يبرز التحدي الأكبر أمام الأمن القومي الجزائري في صعود “التهديدات الهجينة” التي تدمج بين الجريمة المنظمة والمخدرات والأجندات السياسية التخريبية، وهو ما فرض إعادة صياغة جذرية للمفاهيم الدفاعية عبر:
• تحديث قواعد الاشتباك: يفرض واقع “قوافل التهريب الكبرى” ضرورة التعامل معها كـ”أهداف معادية” مباشرة وليس مجرد أنشطة إجرامية تقليدية؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى ارتباط هذه القوافل بشبكات تمويل دولية تهدف إلى استنزاف القدرات العملياتية للجيش الجزائري.
• التحدي الاستخباراتي (حرب السموم): يمثل تدفق “المؤثرات العقلية” تهديدا نوعيا يستهدف النسيج الاجتماعي الجزائري. ويكمن التحدي هنا في تطوير الجهد الاستخباراتي ليتجاوز الرصد الميداني إلى تتبُّع “المسارات الدولية” لهذه السموم، انطلاقا من مصانع الإنتاج السرية في المناطق الخارجة عن السيطرة في ليبيا، وصولا إلى كشف الممولين الذين يستخدمون هذا النوع من الحروب كمكمِّل للمواجهة العسكرية.

3. العقيدة السياسية وبناء السلم الإقليمي (من الردع إلى الاستقرار):
تكمن قوة الجزائر في قدرتها على التموضع كطرف محايد يحظى باحترام مختلف الأطياف، مما يؤهلها لتحويل “توازن الردع” على الحدود إلى “قاعدة صلح” ترتكز على:
• صناعة الثقة والمسافة الواحدة: التموضع كطرف محايد بين “المجلس الأعلى للدولة” في طرابلس و”مجلس النواب” في طبرق، وتحويل هذا الحياد إلى وساطة مقبولة تجمع الفرقاء تحت مظلة سيادية ليبية.

 ينطلق الموقف الجزائري، الذي يستند إلى ثبات المبادئ والأمن القومي، من مبدأ “ليبيا للّيبيين” ورفضِ التدخل الأجنبي، معتبرا استقرار ليبيا جزءا من أمنه القومي. وقد دفع انتشار “حرب السموم” الجزائرَ إلى استنفار قواها لمواجهة محاولات استنزاف استقرارها وتفكيك نسيجها الاجتماعي، مما جعل هذا الملف نقطة ارتكاز للتوترات في المنطقة.

• تكريس الشرعية الانتخابية: الإصرار على إنهاء “تعدد المؤسسات التنفيذية” والعبور نحو الانتخابات الوطنية كحل وحيد لإنهاء المرحلة الانتقالية، مع الضغط دوليا لحماية نتائج الصندوق من “فيتو السلاح” الذي قد تفرضه بعض الميليشيات.
• إعادة بناء المؤسسة الأمنية: دعم “اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)” لدمج المجموعات المسلحة ضمن “هيئة أركان موحدة”، وتفعيل قراراتها في إجلاء “المرتزقة والقوات الأجنبية”، لتكون السيادة الليبية هي الضامن الوحيد لبروتوكولات أمن الحدود بالتنسيق مع الجيش الجزائري.

وفي هذا الإطار، توجِّه الجزائر رسالة حازمة للقوى الدولية الفاعلة بأن أي ترتيبات إقليمية تحاول تجاوز دورها المحوري ستفتقر إلى الشرعية الميدانية والواقعية، مؤكدة أن وجود مجموعات مرتزقة وقواعد عسكرية أجنبية في ليبيا يمثل “خطا أحمر” لا يمكن التهاون معه.

خاتمة:
إن القراءة المتأنية للمشهد الليبي من الخارطة الاجتماعية إلى التعقيدات الجيوسياسة وتداخلات المصالح والنفوذ، تؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد صراع محلي على السلطة، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية ورهن السيادة الوطنية لمصالح قوى عابرة للحدود. وقد أثبت التحليل أن المقاربة الجزائرية تظل هي الأقرب إلى الواقعية السياسية، من خلال موازنتها الدقيقة بين الردع العسكري السيادي لحماية الحدود الوطنية، والدبلوماسية المرنة التي تسعى إلى بناء مؤسسات شرعية موحَّدة، عبر دعم مسارات الانتخابات واللجنة العسكرية (5+5).
وبالنظر إلى المستقبل، يمكن استشرافُ الوضع الليبي من خلال المسارين المحتملين:
المسار الأول (الاستنزاف المستمر):
وهو بقاء الوضع على ما هو عليه من “سيادة مجزأة”، إذ تستمر القوى الدولية في إدارة الأزمة بدلا من حلها، مما يؤدي إلى تحويل ليبيا إلى منطقة “رمادية” تُستخدم لتهديد الأمن القومي لدول الجوار واستنزاف مقدرات الدولة الليبية في صراعات لا تنتهي.
المسار الثاني (الانفراج السيادي): ويتحقق في حال نجاح الضغط الإقليمي (بقيادة الجزائر) والدولي في فرض “خارطة طريق” نهائية تنهي المراحل الانتقالية. هذا المسار يتوقف على قدرة النخب الليبية على تقديم تنازلات تاريخية للوصول إلى الانتخابات، وتفعيل قرارات إجلاء المرتزقة والقوات الأجنبية، مما يسمح بتحويل الحدود من مناطق توتر إلى جسور للتعاون الاقتصادي والأمني.
ختاما، يظل الرهان معقودا على وعي الأطراف الليبية بأن مظلة السيادة الوطنية هي الضامن الوحيد للبقاء، وأن الدور الجزائري سيظل حجر الزاوية في أي تسوية تهدف إلى استعادة ليبيا مكانتَها الطبيعية كدولة مستقرة وفاعلة في محيطها المغاربي والإفريقي.

مقالات ذات صلة