المغاربة يدفعون المال للأطفال الصحراويين من أجل حمل الأعلام المغربية
تجوالي لعدة ساعات ما بين بعض الشوارع، وتأملاتي لوجوه المارّة وبعض المتسولين الذين يظهرون من حين لآخر، وكان بعضهم يتحدث اللهجة الحسانية وآخرون باللغة العربية، أوحت لي من أنه يوجد وجه آخر عكس ما نراه من خلال ما يظهر لكل عابر، سواء من ناحية الاستقرار الذي يطبع المدينة، أو حتى تلك البنايات والمحلات الجميلة التي أريد منها إبراز الحياة الرغدة والهنيئة.
![]()
- شيء آخر لفت انتباهي هو العدد الهائل من الأعلام المغربية المتواجدة في الشوارع وواجهات الإدارات والثكنات، والمحلات التجارية وحتى العمارات والبيوت العادية، ولما سألت أحد المرافقين أخبرني أن الأمر يتعلق بمناسبة عيد العرش فقط، ولكن ونحن نجلس في مقهى وسط المدينة مرّ علينا طفل في السابعة من عمره تقريبا وهو يغطي كتفيه بالعلم المغربي، فقررت أن ألحق به في شارع آخر، ونحن متوارين عن المكان الذي كنت به، سألت الطفل عن دوافع ركضه بالعلم، أخبرني بعدما عرف أنني صحفي جزائري، قائلا ببراءة الصغار: “لقد دفعوا لي مبلغا من الدراهم حتى أمرّ أمامكم بالعلم”.
- تركت الطفل عماد وعدت إلى موقعي، حيث كنت برفقة بعض المشاركين والمنظمين للملتقى، نرتشف الشاي الصحراوي بنكهة النعناع، وقد لفتت انتباهي عيون رواد المقهى، الذين يبادلوننا نظرات تتماوج ما بين التساؤل وأخرى فيها ألق النقمة والكراهية، وخاصة أن أحد المنظمين وهو من سكان الداخلة، معروف بنشاطه الموالي للمخزن، منذ انفصاله عن جبهة البوليساريو حسب ما قيل لنا. لقد أحسست بالفعل أن تلك النظرات تقول الكثير، وخاصة أنها تنبعث من أشخاص عليهم الملامح الصحراوية الواضحة، حتى وإن كانوا لا يلبسون الزيّ الذي تعرف به المنطقة.
- ولهذا قررت أن أعرف ما يدور بخلدهم لاحقا، وبأي وسيلة كانت، فعلى ما يبدو أنه لا يمكن أن يتحدثوا لي بحضور هؤلاء معي، فضلا عن رجال الأمن الذين توزعوا في الشارع وحتى المقهى، يتلقفون كل كبيرة وصغيرة ولو كانت سعالا.
- كان بجواري أربعة شبان يتبادلون أطراف الحديث، وكنت أسترق السمع من حين لآخر إليهم، وقد كان حديثهم علينا وعلى الملتقى، ولكن من مجمل الحوار الدائر، أيقنت أنهم متعجبون من تواجد جزائريين في ضيافة المخزن، ويقصدونني ـ طبعا ـ وكان برفقتي الشاعر الجزائري المقيم بالمغرب سعيد هادف، وقد لاحظت من أن حديثهم كان بحذر شديد، مما أوحى لي أن أهلها يعرفون جيدا، من أنهم تحت مراقبة أعوان المخابرات وعملائهم، المتواجدين بعين المكان.
- بعدها غادرت الشارع على متن سيارة أحضرت خصيصا لنا، وهذا من أجل التجول بنا في المنطقة، وتعريفنا بما سموها الإنجازات الملكية في المدينة، وطبعا الرحلة قصد بها الترويج من خلالنا لما يراد له في دوائر المخزن المغلقة والمفتوحة. فبعد جولة في الطرق الرئيسية وكان محدثنا كلما مررنا على مشروع مفتوح أو ورشات ظاهرة للعيان، يسترسل في مدح الأوامر الملكية “المقدسة” التي تسهر دوما على راحة الصحراويين ومستقبلهم، بل يشير للملايير التي تصرف في هذه المشاريع التنموية، متجاهلا ومتناسيا ما تجنيه الدولة المغربية من الأراضي الصحراوية الغنية بكل الثروات.
- بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وراح يعدد لنا المزايا التي يتمتع بها الطلبة الصحراويون الذين يدرسون في الجامعات بالرباط أو الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية الكبيرة، ومما قاله إن الطالب يتمكن من منحة خاصة، وأيضا من تذاكر سفر مجانية وكذلك منحة تغطي كل مصاريفه الدراسية والحياتية، وتدفع عنه كل الأعباء في السكن والإيواء والأكل والملبس والأدوات المدرسية والكتب والمراجع.
