الرأي

المغرب تحت خطر قطع الكهرباء والغاز!

حمدي يحظيه
  • 303
  • 0
ح.م
تعبيرية

بمحاولة غزو سبتة بمسيرة سماها البعض “المسيرة الزرقاء”، وسماها البعض الآخر مسيرة “النعال والجثث”، خلق المغرب لإسبانيا مشكلة عويصة.
لأول مرة تعيش إسبانيا صيفاً ساخناً لم تعرف له مثيلاً من قبل. امتلأت شوارع المدينة وشواطئها وأرصفتها وحدائقها بالبشر، وأقيمت أحياء من القماش والقصب والبلاستيك والصفيح في كل مرافق المدينة.
وأمام وضع مستجد مثل هذا، أصبح سكان المدينة أنفسهم يعيشون رعباً حقيقياً؛ فلا يستطيعون الخروج، ولا يستطيعون فتح نوافذهم في هذا الحر الخانق، وتحولت ظلال جدران بيوتهم إلى أماكن للنوم. وامتلأت الشوارع أيضاً بالنفايات والقمامة، وامتلأت مصالح حفظ الجثث بالموتى غرقاً من المهاجرين، وتحولت المدينة إلى مدينة مغربية تعج بما تعج به مدن المغرب من فوضى وقذارة، ولم تعد تصلح لشيء ماعدا لتصوير فيلم خيالي عن مدينة كانت هادئة وفجأة هاجمتها كائنات غريبة قادمة من كوكب آخر غير الأرض.
لم تتخذ الحكومة الإسبانية أي إجراء ضد المغرب، ولم يصدر عنها أي تعليق أو تهديد. هذا الموقف الرسمي السلبي من غزو سبتة جعل المختصين يرفعون أصواتهم ويناقشون الإجراءات التي يجب أن تتخذها إسبانيا لردع المغرب وإيقافه عند حده. وفي نقاشهم الغاضب حول ما يجب أن تفعله دولتهم، يضربون المثل بالجزائر. ويعترف الإسبان بأن الدولة الوحيدة التي ردعت المغرب هي الجزائر، وأن المغرب لا يفهم إلا القوة والردع الميداني الملموس. ويقول هؤلاء إن الجزائر هي نموذج يحتذى به في التصدي للمغرب حين قطعت معه العلاقات، وأغلقت الأجواء في وجه طيرانه، وقطعت عنه الغاز. ويعتقد هؤلاء أن الفعل الوحيد المتاح لإسبانيا، الذي يستطيع كبح تغول المغرب، هو قطع الغاز عنه، ويفسرون تخلي الجزائر عن ضخ الغاز من الأنبوب المار بالمغرب بأنه عقاب له على تهديده لها -الجزائر-. الإعجاب بالتجربة الجزائرية في ردع المغرب، يطلب الإسبان من دولتهم أن تقوم بعمل مثل قطع الغاز عن المغرب مستقبلاً، وقطع العلاقات معه.
فمثلاً، يوم 18 أوت، نشرت القناة الإسبانية الرسمية RTVE خبراً فرح له كثير من الإسبان، وهو أن “حكومة بيدرو سانشيز طلبت من كبرى شركات الطاقة الإسبانية تزويدها ببيانات حول عمليات تبادل النفط والغاز والكهرباء مع المغرب، وذلك لتقييم التدابير المحتملة التي يمكن اتخاذها ضمن «خطة طوارئ»، وهي الخطة التي تخضع حالياً للمراجعة”. وقد أحدث الخبر فرحة كبيرة في إسبانيا، وأحدث صدمة في الرباط. وبما أن التلفزيون الرسمي هو الذي بث الخبر، فقد سارعت الحكومة الإسبانية إلى نفيه. ورغم النفي الرسمي أن في نية الحكومة دراسة عقاب المغرب بقطع الغاز عنه، إلا أن كثيرين يعتبرون أن ما نشرته التلفزة بشأن قضية قطع الغاز والكهرباء عن المغرب لردعه مطروح بقوة في الساحة الإسبانية وفوق مكتب الحكومة، وأن هناك مشروعاً فعلاً من هذا النوع في مراحل متقدمة من الدراسة. وفي كل الحالات، يعتقد الإسبان أن هذا الإجراء إجراء قاتل، وأن على الحكومة أن تهدد به إذا كانت لا تريد تنفيذه الآن.
من جهة أخرى، بدأ المختصون الإسبان في التخطيط الاستراتيجي ينشرون مقالات ودراسات حول أهمية معاقبة المغرب بقطع مصادر الطاقة عنه قبل أن ينفذ غزواً حقيقياً ونهائياً لمدينة سبتة. وحسب الصحفي ألفارو غارسيا، في مقاله المنشور بصحيفة “لا راثون” يوم 20 أوت 2026م، فإن “المغرب، على وجه التحديد، يعتمد على حوالي 25 بالمائة من إمدادات الكهرباء على الطاقة القادمة من إسبانيا، في حين أن جميع كميات الغاز التي يشتريها المغرب من السوق الدولية يجب أن تمر أولاً عبر محطات إعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى حالته الغازية الموجودة في إسبانيا قبل أن تصل إلى وجهتها”.
وفي جريدة أخرى مؤثرة، كتب المختص إدواردو سيغوفيا حول نفس الموضوع تحت عنوان كبير هو: “كعب أخيل المغرب: إسبانيا تستطيع حرمانه من الغاز والتسبب له في انقطاعات كهربائية صادمة”. ويقول المختص المذكور في صحيفة The Objective: “تمتلك إسبانيا القدرة على وقف إمدادات الغاز والكهرباء عن المغرب في أي وقت، لأن المملكة المغربية تعتمد بدرجة كبيرة على إسبانيا في مجال الطاقة. ومع ذلك، ترفض حكومة بيدرو سانشيز استخدام هذه الورقة الاستراتيجية رداً على أزمة سبتة أو كوسيلة ضغط لمنع تكرار أحداث مماثلة في المستقبل”.
في الحقيقة، المغرب هو أضعف بلد في المنطقة من حيث الاستفادة من الطاقة، وما يحصل عليه منها هو عن طريق السرقة والابتزاز. فالآن مثلاً يحصل على الغاز الروسي بطريقة غير شرعية، وحتى يستفيد من هذا الغاز المسروق يجب أن يمرره عبر مصافي إسبانيا ومن خلال الأنبوب الإسباني الجزائري الذي أوقفت الجزائر العمل به منذ سنوات. كما أن تمرير الغاز عبر الأنبوب المذكور غير قانوني، لأن الأنبوب أصلاً من تمويل إسباني جزائري، والمغرب لم يصرف أي درهم في إنشائه منذ أول يوم، ومن حق الجزائر المطالبة به الآن.
من جهة أخرى، بعد تحليل الغزو المغربي لسبتة، لم يجد الإسبان تفسيراً لما حدث سوى شيء واحد، وهو إعادة العلاقات بين إسبانيا والجزائر، وهي الخطوة التي لم يفهمها المغرب. فعودة العلاقة بين الجزائر وإسبانيا يفسرها المغرب بأنها من المستحيل أن تحدث بهذه البساطة ما لم يتم ربطها بتراجع إسباني عن دعم الحكم الذاتي أو بوجود مشروع سري لخنق المغرب مستقبلاً عن طريق منع الغاز عنه.

مقالات ذات صلة